ماذا جرى في غزة ؟!

(كانون ثاني 2008)

مقدمـــــــة

ما حدث في غزة مؤخراً من اقتحام لمعبر رفح الحدودي مع مصر لم يكن أمراً عادياً أو اعتيادياً، ولا يمكن أن يمر على المراقبين والباحثين وحتى صناع القرار مرور الكرام..

فقد أثار العديد من المفاجآت والتساؤلات والتحليلات، وكانت له اصداؤه وآثاره وهو ما يدعو الى قراءة هذا الحدث بالتحليل والاستنتاج..

 فهذا الحدث له أسبابه وله تبعاته، وان كانت الرؤية السياسية تؤكد أن هذا الحدث كأي حدث سياسي مركب من مجموعة أسباب ومدخلات.

أولها، وبلا شك، الاحتلال الإسرائيلي للقطاع والحصار الظالم عليه بالإضافة إلى العمليات العسكرية للقوات الإسرائيلية وما تخللها من اغتيالات طاولت العشرات من الفلسطينيين المدنيين مؤخراً.

وثانيها، انقلاب حركة حماس على السلطة الفلسطينية، أو بالأحرى انقلاب حماس على الديمقراطية التي أوصلتها إلى السلطة التشريعية.

وهو ما يعني أن سكان قطاع غزة قد أصبحوا ما بين مطرقة إسرائيل وسندان حماس..

ذلك ان حادث الاقتحام يأتي بعد حوالي سبعة أشهر من إحكام حالة الحصار على غزة، والذي تزامن مع استيلاء حماس على السلطة بالقوة في الرابع عشر من حزيران 2007، علماً ان الحصار قد بدأ منذ عامين وذلك بعد ان فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية، وازداد إحكاما مع اسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في 25 حزيران (يونيو)2005.

وفي هذا التقرير قراءة لما جرى في غزة مؤخراً (23كانون ثاني/ يناير) وأخرى للمسببات التي أدت إلى الاقتحام، ناهيك عن قراءة لرد الفعل المصري والإسرائيلي الطرفين المباشرين والمحاذيين لقطاع غزة..

 أولاً: الحدث – الاقتحام

في الثالث والعشرين من كانون الثاني الماضي كسر الغزيّون الحصار المحكم المفروض عليهم من قبل إسرائيل، حيث زحف حوالي نصف مليون غزيّ، أي حوالي ثلث مجمل السكان، نحو الأراضي المصرية عبر الحدود مع مدينة رفح لكسر الحصار الجائر الذي جعل القطاع في عزلة تامة عن العالم...

ويأتي ذلك بعد ان أمر وزير الدفاع الإسرائيلي (ايهود باراك) في السابع عشر من كانون الثاني بإقفال كل المعابر مع قطاع غزة تمهيداً لعملية عسكرية إسرائيلية، الأمر الذي هدد حياة سكان القطاع الذي أغرقته إسرائيل في ظلام دامس بسبب قطع إمدادات الوقود المغذية لمحطات الكهرباء.. وبعد توقف المساعدات الإنسانية إلى القطاع، حسبما أعلنت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا).

بالإضافة عن الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة والاغتيالات اليومية..

 ثانياً: من وراء الحدث؟!

 لا شك بان ما جرى هو نتيجة عوامل متعددة ولحظات تاريخية متراكمة سببها الاول الاحتلال الإسرائيلي، لكن ما جرى مؤخراً من اقتحام لمعبر رفع كان الموعز اليه هو حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة..

فالعديد من المؤشرات كانت تشي بهذه النتيجة او هذا الاستنتاج، كما أن العديد من الاقلام الصحفية والكتّاب خلصوا في كتاباتهم وتحليلاتهم الى ان حركة حماس وقيادتها في الداخل والخارج هي من اوعزت (او غضت الطرف) عن عملية الاقتحام التي جرت لمعبر رفح الحدودي..

وكتب صالح القلاب في الشرق الاوسط ان ما يريده خالد مشعل هو جرّ بعض الدول العربية وفي مقدمتها مصر والاردن الى ورطة جديدة وهي فرض اجندته على العرب كلهم وهذا لن يحصل على الاطلاق فالعرب يدركون حقيقة هذا الابتزاز ولذلك فان ما سيقومون به، وهم قاموا بهذا  بالفعل، هو ممارسة المزيد من الضغط على اسرائيل وعلى واشنطن وعلى العالم كله لايقاف العنف الاسرائيلي الوحشي الاهوج الذي يستهدف غزة واهلها.. وهنا فانه لا بد من ان تفهم حماس انها تلعب لعبة خطرة وانها تقدم للاسرائيليين المبرر الذي يريدونه ليبطشوا بالشعب الفلسطيني كل هذا البطش..

واتهم الكاتب علي ابراهيم في الشرق الاوسط ايضاً خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس باستخدام لغة تحريضية للشعوب ضد حكوماتها..

وقال حسين شبكشي في الشرق الأوسط ان ما تمارسه حماس هناك هو تخبط سياسي على حساب القضية الفلسطينية وما يجري حالياً في غزة يؤكد فكرة عزل واستقلال غزة ولا تخفي حماس نواياها المعلنة بفك الارتباط اقتصاديا عن سائر الأراضي المحتلة والاعتماد على الجانب المصري الامر الذي يؤكد رعونة حماس وينتهي الى القول بأن حماس رفعت شعار "حماس اولاً واخيراً".

يذكر انه في التاسع عشر من كانون الثاني وقبل اقتحام معبر رفح بخمسة ايام دعت الحكومة الفلسطينية المقالة في غزة برئاسة اسماعيل هنية مصر للعمل على اعادة فتح معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر لادخال المواد الاساسية وعلاج الجرحى الذين اصيبوا في الغارات الاسرائيلية المتواصلة على غزة..

 وقال المتحدث باسم حكومة هنية المقالة (طاهر النونو) في بيان تلاه: "ندعو مصر الى اتخاذ قرار جريء وشجاع وفتح معبر رفح لادخال المواد الاساسية اللازمة لاستمرار الحياة في غزة وانقاذ عشرات الجرحى وعلاجهم في المشافي الملائمة خارج فلسطين.. ودعا النونو الدول العربية والاسلامية لتحمل مسؤولياتها والقيام بواجبها تجاه الشعب الفلسطيني والعمل على وقف العدوان الصهيوني والمجازر اليومية".

وهو ما يفيد ان حركة المقاومة الاسلامية حماس كان لديها الرغبة المسبقة ومن ثم الارادة المبيتة لسيناريو الاقتحام ان لم تستجب الحكومة المصرية لبيانها السياسي خاصة وان اسرائيل تعمل على تصعيد الوضع العسكري في القطاع، مما أدى بحماس الى تصدير الازمة الى الحدود المصرية.

وبالفعل فقد حذرت مصر من اسمتهم "الجهات المسيطرة على القطاع" بالعمل على عدم تكرار هذا الموقف او تصدير مشكلات داخلية اليها.. ولم تنف الاجنحة الفلسطينية المسلحة مشاركتها في تفجير الجدار الفاصل مع رفح المصرية.. حيث اكد (ابو عبير) الناطق باسم لجان المقاومة الشعبية في غزة اقدام الاجنحة العسكرية لعدة فصائل فلسطينية على تفجير اجزاء من الجدار الفاصل بين رفح الفلسطينية والمصرية.. وذلك رغم نفي (ابو عبير) ان يكون تفجير اجزاء معبر رفح جاء بقرار مسبق او سياسي..

 ثالثاً: العوامل / المتغيرات السابقة للحدث!!

العديد من العوامل والمتغيرات يمكن قراءتها بالنسبة لغزة، فهناك العامل الجغرافي وهناك العامل التاريخي وكذلك العامل الانساني.. ولعل المشترك في كل هذا هو عامل الاحتلال الاسرائيلي.. فهي التي "تحادد" القطاع جغرافيا وقد احتلته لمدة اربعة عقود وهي التي تحاصره وتستهدفه انسانياً واجتماعياً وحتى عسكرياً..

وبالإضافة الى ذلك المتغير هناك حركة حماس التي استولت على السلطة بالقوة في حزيران 2007 وهي متغير فاعل ومؤثر في صناعة ماجرى في  قطاع غزة.. وهي في حالة صراع غير متوازن مع اسرائيل كما أنها على علاقة صراع مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية وعلى خلاف مع معظم الدول العربية.. وهنا سوف يتم قراءة بعض العوامل الجغرافية والتاريخية والانسانية وكذلك العامل الاسرائيلي.

* غزة/ جغرافيّا

قطاع غزة عبارة عن شريط ساحلي يقع على الحافة الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، طوله نحو 45 كيلومترا، وعرضه ما بين 8 و 12 كيلومترا في بعض مناطقه. تحد اسرائيل قطاع غزة من الشمال والشرق، وشبه جزيرة سيناء المصرية من الجنوب.

 * غزة /تاريخيّا

يعتبر قطاع غزة منطقة مأهولة بالسكان بصورة متصلة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. وكانت غزة عبر التاريخ ملتقى للحضارات القديمة، ونقطة استراتيجية على البحر المتوسط. وقد خضعت للامبراطورية العثمانية لمئات السنين شأن المناطق العربية الأخرى، واستمر ذلك حتى الحرب العالمية الاولى، عندما وضعت فلسطين كاملة تحت الانتداب البريطاني.

بعد حرب عام 1948، وقيام اسرائيل، وضع قطاع غزة تحت حكم الادارة المصرية، وبقي كذلك حتى حرب حزيران (يونيو) 1967، حيث احتلته اسرائيل الى جانب الضفة الغربية وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية. وكان قطاع غزة قد خضع قبلها للسيطرة الاسرائيلية لفترة قصيرة بعد حرب السويس (العدوان الثلاثي) امتدت من 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1956 حتى 7 مارس (آذار) 1957.

بين عامي 1948 و 1949 زاد عدد سكان غزة ثلاثة أضعاف حيث ادت حرب 1948 إلى نزوح عدد كبير من الفلسطينيين من مدن وقرى جنوب البلاد واستقرارهم في القطاع، وكانوا يشكلون حوالي ربع اللاجئين المهجرين من مناطق هي الان جزء من دولة إسرائيل وقدر عددهم الإجمالي في حينه بـ750 الفا.

أنهت اسرائيل سيطرتها العسكرية على قطاع غزة في سبتمبر (أيلول) 2005 عندما سحبت 8500 مستوطن يهودي من 21 جيبا استيطانيا بعد حكم عسكري دام قرابة أربعة عقود، غير أنها استأنفت عملياتها البرية في يونيو (حزيران) 2006 بعد أن عبر نشطاء فلسطينيون من غزة الحدود وأسروا جنديا اسرائيليا ما زال محتجزا الى الآن.

بعد مرور عام، وفي يونيو (حزيران) 2007، سيطر مقاتلو حماس على قطاع غزة بعد قتال مع قوات حركة فتح، وأغلقت اسرائيل اثر ذلك المعابر الرئيسية وخصوصا معبري بيت حانون (ايريز) شمال القطاع، ومعبر رفح الحدودي جنوبه، وأخضعت القطاع لحصار شامل.

 * غزة / إنسانيّا

حذرت وكالات الإغاثة الدولية من تزايد المصاعب بالنسبة للسكان العاديين خصوصا بعد قطع إسرائيل إمدادات الوقود عن محطة الكهرباء الرئيسية ومحطات البنزين بالقطاع ووقف شحنات المساعدات بما فيها الإمدادات الغذائية وغيرها..وأثار الإغلاق قلقا دوليا من حدوث كارثة إنسانية وبيئية في غزة..

ويعيش في قطاع غزة اليوم نحو 1.5 مليون فلسطيني، اكثر من نصفهم من اللاجئين وأبنائهم ممن شردتهم الحروب السابقة مع اسرائيل.

وتعتبر غزة واحدة من أعلى مناطق الكثافة السكانية ومعدلات النمو السكاني في العالم. وتعيش غالبية العائلات الغزيّة على أقل من دولارين في اليوم. وقد تضرر الاقتصاد الفلسطيني بشدة بسبب عمليات الاغلاق الأمنية للقطاع من جانب اسرائيل، والتي تعرقل التجارة عبر الحدود، وتحد من فرص العمل، وكذلك بسبب العقوبات التي فرضها الغرب بعد تولي حركة حماس السلطة في أوائل عام 2006، والانقلاب في حزيران 2007.

وحتى لحظة الاقتحام الحدودي لمعبر رفح،فقد ادى الحصار الاسرائيلي إلى وفاة (76) مريضا فلسطينيا لم تسمح لهم اسرائيل بالخروج لتلقي العلاج حسبما اعلنت مصادر طبية فلسطينية .

كما يهدد خطر الموت ايضاً قائمة كبيرة من المرضى المصابين بأمراض خطيرة ومزمنة لا يقل عددهم عن 1500 مريض ينتظرون ان يغادروا القطاع للعلاج بالخارج ، كما ان المرضى اللذين يمكن ان يتوفر العلاج لهم في مستشفيات غزة لا يتلقون العلاج اللازم لعجز هذه المستشفيات عن توفير هذا العلاج اما لعدم توفر التخصص او نفاد الادوية (80 نوع نفدت) او تعطل اجهزتها الطبية لغياب قطع الغيار لها او لنفاد الوقود والمحروقات.

* غزة/اسرائيل

في 17 كانون الثاني أعلن الجنرالات في اسرائيل ساعة الصفر للبدء بتنفيذ خطة عسكرية لاجتياح قطاع غزة، وهي الخطة التي اعدها الجيش الاسرائيلي قبيل زيارة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش لاسرائيل، اولى محطاته للمنطقة , وجرى تنفيذها بعيد مغادرته لاسرائيل بساعات وذلك انتقاما من الصواريخ التي تنطلق من القطاع ضد الجنوب الاسرائيلي .

وكانت صحيفة معاريف العبرية قد وصفت خطة اجتياح القطاع بالشرسة وقالت ان الجيش الاسرائيلي يتوقع ان يتكبد ( 200 ) قتيل خلال المرحلة الاولى من المعارك، بينما سيسقط الاف الضحايا في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وأوضحت ان خطة العملية العسكرية بالقطاع لن تكون عبارة عن اجتياح شامل، وانما ستكون هجمة متدرجة وثابتة وشرسة لعزل المنطقة المحددة التي يراد اجتياحها ..

وكان الرئيس الامريكي جورج بوش في زيارته الى اسرائيل والاراضي الفلسطينية قد ترك خلفه رزمة من التصريحات الخطيرة والمدويّة ومنها مطالبة السلطة الفلسطينية والدول العربية الاعتراف باسرائيل باعتبارها "دولة يهودية"، ودعاهم للمشاركة في محاربة القوى الفلسطينية المقاومة, كما دعا الى ضرورة ايجاد آلية جديدة لتعويض اللاجئين الفلسطينيين عن حقهم في العودة الى ديارهم وذهب الى ابعد من ذلك، عندما الغى دور الامم المتحدة والقرارات الدولية الصادرة عنها .. الامر الذي يعكس موقفا امريكيا يرفض كليا عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ارضهم كما تضع هذه الدعوة العنصرية الفلسطينيين الباقين في الاراضي الاسرائيلية منذ ما قبل 1948 موضع الخطر أي الترحيل والتهجير ..

 كما تزامن الحدث مع انتظار الاعلان عن تقرير فينوغراد الخاص بالحرب على لبنان في صيف تموز 2006 .. وهو ما كان يخشى منه ان يلقي باللائمة على رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت وقيادة الجيش، الامر الذي دعا الطرفين وفق المحللين الى توجيه الانظار الى غزة والبحث عن "انتصار مفقود" في لبنان قد يولد في غزة !!

وقد ترافق الحدث كذلك مع اتهامات حماس لأمين عام الرئاسة الطيب عبد الرحيم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني المقال ( اسماعيل هنية ) وذلك عبر استخدام انتحاري. الامر الذي انعكس بالمزيد من السلبية على العلاقات داخل الاراضي الفلسطينية بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس..

 رابعاً: المواقف السياسية:

يمكن قراءة المواقف السياسية للدول المعنية مباشرة بالحدث من خلال الموقفين الإسرائيلي، والمصري...

* الموقف الإسرائيلي:

ماجرى في قطاع غزة من اقتحام لمعبر رفح شكل مفاجأة للعديد من الاطراف والدول، وربما كانت اسرائيل هي من ابرز تلك الدول التي عبرت عن مخاوفها مما جرى، خاصة إذا انتقل الامر إلى معبر بيت حانون/ايريز المحادد لإسرائيل مع قطاع غزة..ولذلك عملت على تخفيف حدة الحصار وتمرير بعض المواد الغذائية والطبية..

لكن المحللين الاسرائيليين أخذوا في قراءة ماجرى في معبر رفح، وقد حذرت مصادر إسرائيلية من أن ما جرى على الحدود بين القطاع ومصر ليس نهاية المطاف، وان هناك امكانية لأن يتوجه الفلسطينيون للانقضاض على الحدود مع اسرائيل.

وتوقع البروفسور زئيف تسحور، رئيس الكلية الأكاديمية في بلدة سديروت، التي تتعرض للقصف من قبل حركات المقاومة الفلسطينية، أن يقوم الفلسطينيون باجتياح الحدود مع إسرائيل في حال لم يتم السماح بوصول المواد الغذائية للقطاع. وأضاف في مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»:«إن كل مخزون السلاح لدى اسرائيل سيكون عديم القيمة أمام الكتلة البشرية التي تتحرك بتصميم من ينعدم لديه البديل، آلاف النساء الحوامل، أمهاتهن العجائز وخلفهن مئات آلاف الأطفال والرجال».

أما المفكر والكاتب الإسرائيلي يوفال البيشان فقد اعتبر أن ما قام به الفلسطينيون في غزة هو أمر طبيعي. وقال: «يعلمنا اختراق عشرات الآلاف من الفلسطينيين الحدود الى رفح حقيقة إنسانية بسيطة وهي أنه لن يستطيع اي سور مهما علا ان يمنع إنسانا جائعا لا يوجد لديه ما يخسره». وأضاف في مقال نشرته صحيفة «معاريف»:«يبدو ان لا احد نظر حقا في وجوه عشرات آلاف الفلسطينيين الذين اجتازوا الحدود بالقوة وجالوا في شوارع رفح المصرية. حتى لو كان الحديث عن عمل مخطط له ومنظم على يد حماس، وحتى لو كان في جزء منه عرضا أُخرج جيدا، فلم يكن بالامكان تزييف النور الذي أشرق على وجوه عشرات أولئك الآلاف بعد أن اجتازوا الحدود». ولفت البيشان الأنظار الى أنه «من تأمل حقا، وسمع اصوات أولئك الناس البسطاء، رأى حقيقة إنسانية بسيطة مفادها أنه لن يوجد أبدا سور يستطيع ان يمنع إنسانا «يقرقر» بطنه ولا يوجد لديه شيء يخسره. حتى لو كان ذلك جدارا هو الأشد إحكاما، والى جانبه كتائب جنود ذوي خبرة، فلن يساعد الأمر».

أما تسفي بارئيل، معلق الشؤون العربية في صحيفة «هآرتس» فقد حذر كلاً من المسؤولين والجنرالات من مغبة السقوط في وهن الاعتقاد أنه بإمكان تحميل مصر المسؤولية عن قطاع غزة، وينصح قادة إسرائيل من عدم تفسير الخطوات المصرية الإنسانية بصورة خاطئة. ونوه بارئيل الى أن الحكومة المصرية «أدركت أن تحفظها على حكم حركة حماس في غزة لا يبرر الانجرار وراء السياسة الإسرائيلية غير الإنسانية»، لافتاً الى أن «الجمهور المصري يطالب الرئيس مبارك بالتحرك لإنقاذ الفلسطينيين مهما كانت الصورة التي تنظر فيها إسرائيل اليهم». واعتبر بارئيل أن ما جرى يدل على فشل سياسة إسرائيل، وقال: «مصر ليست مذنبة، وتهجم المسؤولين لدينا عليها لا يمكنه أن يطمس حقيقة أن حكومة إسرائيل بسياستها الفاشلة قد فقدت السيطرة على غزة. من اعتقد أن من الممكن توجيه الضربات لشعب بأكمله حتى الثمالة ومنع دخول الوقود والغذاء وإغلاق المعابر أمام التجارة والعلاج الطبي ومحاولة دفع الجمهور الفلسطيني للقيام بعصيان مدني ضد قيادة حماس من اجل إيقاف إطلاق صواريخ القسام، هو الذي فقد السيطرة على المعبر، وهو أيضاً المسؤول عن إفساح المجال أمام غزة حتى تتزود بكل ما تريده بما في ذلك المواد المطلوبة لتصنيع القسام والمال المطلوب من اجل تغطية هذه الأعمال».

وكتب يوئيل ماركوس في هآرتس ان اسرائيل لم تشرب من بحر غزة كما كان يقول عرفات ولكنها تغرق شيئاً فشيئاً في مستنقعها.. واضاف لقد سجلت حركة حماس ثلاثة انجازات استراتيجية خلال السنوات الثلاث الماضية حسب رأي جهاز رئيس الموساد السابق؛

الانجاز الاول: حققت الحركة عام 2006 فوزاً باغلبية كبيرة في انتخابات ديمقراطية فرضها الأمريكيون المتنورون. الانجاز الثاني: طردت الحركة في حزيران من العام الماضي 2007 حركة فتح وقطاع غزة وقائدهم الاسطوري هناك محمد دحلان في انقلاب عسكري وحشي.

وهكذا تحولت حماس من حركة دينية متطرفة صغيرة الى الحاكم الوحيد لغزة ذات المليون والنصف نسمة..الانجاز الثالث: كان خلال العام الحالي 2008 حيث فاجأونا مرة ثالثة عندما شلّوا فعالية عقوباتنا، فقد اقتحم مئات الآلاف من سكان القطاع الجدران والأسوار وذلك من أجل الشراء في مدينة رفح المصرية، وهناك من خرج لأهداف مادية..

وقد صرح السفير الاسرائيلي لدى القاهرة شالوم كوهين ان العمل جار حالياً لبناء سور على الحدود بين اسرائيل ومصر والبالغ طولها حوالي (200) كيلومتر.

* الموقف المصري :

 المفاجأة كانت هي العنوان الأبرز التي طغت على المشهد المصري إزاء ما حدث من اختراق واقتحام لمعبر رفح .. هذه المفاجأة كادت ان تؤدي إلى مأزق سياسي للسياسة المصرية التي سرعان ما اتخذت  قرارا (اضطراريا) حسب ما قالته بعض الصحف المصرية من اجل تجاوز ما يجري في غزة عبر السماح للفلسطينيين بالعبور والتزود بالطعام والوقود والدواء، وذلك حتى لا ترفع البندقية المصرية في وجه الفلسطينيين، وحينها يعتبر الفلسطينيون ان المصريين والإسرائيليين يقفون في صف واحد ..

ولذلك حاولت السياسة المصرية تجاوز هذا المشهد مؤقتا وهو بطبيعة الحال لا يعبر عن سياسة مصرية ثابتة وانما مؤقتة املتها عوامل عدة : وهو ما اعتبرته بعض الصحف المصرية (تخاذل) النظام المصري ازاء الفلسطينيين وتعاونه مع اسرائيل وامريكا .. وهو ما عبر عنه وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط الذي قال ان بلاده لن تسمح باقتحام حدودها مرة ثانية مؤكداً ان "من سيكسر خط الحدود المصرية ستكسر قدمه" وهاجم ابو الغيط حركة المقاومة الاسلامية حماس معتبراً مواجهتها لاسرائيل كاريكاتورية ومضحكة..

 لكن الصحف المصرية أيضاً اعتبرت ان اسرائيل بهذه الخطوة عملت على تصدير الازمة في غزة الى مصر وانها حاولت تهديد الامن القومي المصري المكشوف اصلا امام اسرائيل ..

وقد ايد ذلك الكاتب محمد حسنين هيكل الذي تحدث عن زلزال سيناء القادم او ما اسماه توطين الفلسطينيين في سيناء، وهو سيناريو تحدثت عنه الصحافة المصرية بشكل مفصل وعميق كما جرى الحديث عن تقرير لجنة الازمات الذي يقول صراحة ان سيناء ليست مصرية ..

وقد علق أحد المتحدثين باسم  الخارجية الاسرائيلية بتصريح قال فيه ان السماح بدخول الفلسطينيين عبر الحدود تم بقرار مصري خالص دون التشاور مع أي طرف، وأضاف نحن قلقون ازاء هذه الفجوات التي تتيح للفلسطينيين الخروج من غزة لأن ذلك سيتيح ايضا لحماس إدخال أسلحة وإرهابيين  بسهولة عبر مصر .

 وكان توم كيس، نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية قد قال : ان دبلوماسيا امريكيا كبيرا اعرب للسفير المصري في واشنطن عن قلق الولايات المتحدة بشأن احداث معبر رفح مطالبة بضمان عدم استخدامه لتهريب البضائع والاسلحة .

اما مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت فقد وصف الحدث بأنه تطور مقلق ..وقد رافقت تلك التصريحات حملة انتقادات صحفية إسرائيلية للخطوة المصرية ووصفت الرئيس المصري بإلقاء الكرة مجددا في الملعب الإسرائيلي الأمريكي الذي قال ( يجب وقف الحصار وانهاء الاحتلال فهو السبيل والمخرج) .

الخاتمة

أثبتت الأحداث الأخيرة في غزة ان السلاح الإسرائيلي النوعي والمتفوق سوف يكون عديم القيمة امام الكتلة البشرية التي تتحرك بتصميم من ينعدم لديه البديل ولا يوجد ما يخسره , وهذه رؤية المحللين الإسرائيليين أنفسهم ..

    ويمكن القول ان إسرائيل بحصارها وعملياتها العسكرية في قطاع غزة تسعى الى تقوية حماس داخليا وشعبيا وليس العكس ولن ينقلب الفلسطينيون على منظمة تقاوم الاحتلال الإسرائيلي حتى لو انقلبت تلك المنظمة على الديمقراطية .. فالحرية من قيد الاحتلال قبل الديمقراطية .. وهو ما يعني ان الفلسطينيين ليسوا بحاجة إلى الديمقراطية بقدر حاجتهم إلى الحرية والتحرر من إسرائيل ..

ومن خلال ما جرى يمكن استنتاج ان حركة حماس قد استثمرت الحدث الذي جرى مؤخرا ان لم تكن أوعزت به وقد أفادت منه بأن جعلت نفسها لاعبا أساسيا في العملية السياسية وطرفا لا بد من محاورته فيما يجري .. وقد رأى محللون إسرائيليون ان ما جرى هو "عرض مسرحي أخرج جيدا من قبل حركة حماس" ..

وقد كانت تلك اللحظة او ذلك الحدث المتمثل باقتحام معبر رفح من أكثر اللحظات التاريخية حرجاً للنظام المصري وللسياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية وقطاع غزة حيث اضطر النظام السياسي المصري إلى التسليم ولو مؤقتا بما يجري حتى لا تتوجه البندقية المصرية الى الفلسطينيين .

كذلك يمكن استنتاج ان حركة حماس ومن خلال فتح معبر رفع لمدة (12) يوماً مع مصر لم تنجح في أهدافها المتمثلة بفك الحصار عن القطاع وفك العزلة المصرية أو الدولية عنها.. لان مصر لا تستطيع ان تقوم بذلك كون هذا الأمر يمثل ضربة قاسية وموجهة للرئيس الفلسطيني محمود عباس وسلطته المعترف بها دولياً وإقليميا..

أخيراً... أثار الاقتحام على الجانب المصري العديد من القراءات التي تناهت إلى الحديث عن التوطين في سيناء، كما أثار الحدث مخاوف المحللين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين من ان تتم عملية اقتحام مماثلة في معبر بيت حانون/ ايريز .. كما أثار هذا الحدث تساؤلات العديدين حول هل سيكرر الفلسطينيون تجربة الاقتحام على الحدود المصرية بتجربة مماثلة في الضفة الغربية مع الحدود الأردنية؟!
   إعداد

  هيثم حسّان