السودان في خضم الصراعات الدولية

بين إرادة التقدم ومخاطر التقسيم


كثيرون هم الذين ربطوا بين قرار لويس مورينو أوكامبو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بتوجيه تهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية للرئيس السوداني عمر البشير، وبين مخططات إستراتيجية قيد التنفيذ تهدف إلى شد الأطراف تمهيداً لتفكيك السودان وتقسيمه إلى (4) دول في إطار خطة أفريكوم بحسب ما ذكره الكاتب المصري عبد الحليم قنديل بتاريخ 27 تموز من العام الجاري.
الدولة الأولى فهي عربية في الشمال ذي الموارد المحدودة والثانية في الجنوب والثالثة في دارفور غرب البلاد والرابعة في مناطق البجا شرق السودان.واما كلمة السر في ذلك فتعود لوجود النفط واليورانيوم في السودان . وسعي الدول الغربية لحصار النفوذ الصيني المتزايد في السودان بشكل خاص وفي القارة الأفريقية عموماً.
الوجود الصيني في السودان:
تشهد الصين حالياً تطوراً ونمواً اقتصادياً هائلاً، الأمر الذي جعلها لاعباً أساسياً في الاقتصاد العالمي ومع بداية نضوب حقولها النفطية في الداخل تعيش الصين تحت ضغط توفير مصادر بديلة وبخاصة بعد أن أصبحت المستهلك الثاني للنفط عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ارتفعت واردات الصين من النفط أخيراً بواقع (6%) ومن المتوقع أن ترتفع إلى (60%) مع حلول عام 2020 أي بعد حوالي عشر سنوات تقريباً وهو ما يعادل (15) مليون برميل نفط في اليوم الواحد.
وتعود قصة التعاون الصيني / السوداني في مجال البترول إلى عام 1995 حيث تمكنت السودان في حزيران عام 2000 من استخراج البترول بفضل الشركات الصينية حيث بدأ تصدير النفط السوداني مع نهاية آب من ذلك العام، وبات لدى السودان الآن احتياطات مؤكدة من النفط تتجاوز المليار برميل مع وجود مناطق يتوقع توافر المزيد من الاحتياطات البترولية فيها مثل دارفور. وهو الأمر الذي دفع بكين إلى إرسال شركاتها النفطية وعلى رأسها شركة نفط الصين الوطنية (CNPC) المملوكة للحكومة لاستثمار حوالي (300) مليون دولار لتوسيع أكبر مصفاة للنفط في السودان ، مما أدى إلى مضاعفة الإنتاج، وفي عام 2004 بدأت هذه الشركة إنتاج النفط جنوب دارفور، إضافة إلى امتلاكها حصة كبيرة من إنتاج الحقول جنوب السودان، وبالإضافة إلى ذلك قامت شركة سينوبيك الصينية ببناء (1000) ميل من الأنابيب من دارفور إلى بور السودان لتحميل النفط على متن الناقلات، وبالإجمال يمكن القول بان السودان تعتبر أكبر
مشروع نفطي للصين ما وراء البحار التي باتت تستورد ثلثي الإنتاج النفطي السوداني.
أمريكا والنفط السوداني:
شكل الوجود الصيني القوي في السودان قلقاً حقيقياً للقوى الغربية وشركاتها النفطية ولعل الصراع حول هذا الأمر هو السبب المباشر في تعقيد كثير من القضايا السودانية الراهنة، الذي يعود تاريخه إلى السبعينات من القرن الماضي ، حينما توقف الأمريكيون عن التنقيب عن البترول في جنوب السودان ، لأن الظروف الأمنية آنذاك لم تكن تسمح بذلك، كون حركة التمرد ضد نظام الحكم كانت تقوم بنشاطات عسكرية أدت لانسحاب الأمريكيين بعد أن أنفقوا مليار وستمائة وسبعين مليون دولار ولم يحصلوا إلا على تعويض قدره (19) مليوناً فقط.
وبطبيعة الحال لم يكن بحسبان شركة شيفرون الأمريكية آنذاك أن تأتي الشركات الصينية للعمل في السودان في ظل الظروف الأمنية السائدة في الجنوب لكن الصينيين كانوا فيما يبدو مغامرين وعملوا تحت ظروف أمنية قاهرة ونجحوا وحققوا انجازات كبيرة جداً أذهلت الأمريكيين، ومن هنا بدأ مسلسل الضغوط على الشركات الصينية، وتعاظمت التهديدات الأمنية عليها ، إلا إنها واصلت العمل بنجاح أزعج الأمريكيين.
وتأكيداً على أهمية النفط السوداني بالنسبة للولايات المتحدة صدر العام الماضي (2007) كتاب بعنوان "أبعد من الأزمة الإنسانية " لمؤلفه طوني ليك وهو من أشهر الدارسين والمهمتين بالشأن الاستراتيجي والأمني . وقد كتب صراحة عن علاقة البترول وتوجهات السياسة الأمريكية في المنطقة والدور الصيني وعن الأزمات التي سيشهدها الإمداد البترولي في الفترة القادمة. وأشار لإستراتيجية أمريكية للتوجه نحو النفط في أفريقيا وحث الكثير من الدول الإفريقية المنتجة للنفط مثل نيجيريا على الخروج من منظمة الأوبك.
وتزايد الاهتمام الأمريكي بالسودان بحسب طوني ليك بعد أن تمكن السودان من استخراج نفطه وتصديره رغم حروبه الأهلية وعدم استقراره ومقاطعة أمريكا له وفرض عقوباتها عليه، وأمريكا لن تنسى ولن ترضى بحقيقة أن نفط السودان الحالي الذي تستمتع به الشركات الصينية والآسيوية قد أتى من الحقول التي سبق أن اكتشفتها شركة شيفرون عام 1974. ويذكر أن السيناتور الديمقراطي جوزيف ليبرمان كان قد نبه في كلمه ألقاها أمام مجلس العلاقات الخارجية تحت عنوان "سياسات الطاقة الأمريكية /الصينية" إلى أن المنافسة الشرسة بين القطبين على الطاقة ربما تكون احد أكبر المخاطر التي قد تؤدي إلى مواجهة محتملة بين الطرفين.
نشأة محكمة الجنايات الدولية والموقف الأمريكي منها:
تنادت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1994 إلى ضرورة إنشاء قضاء جنائي دولي بعد تجربة إنشاء محكمة جنائية خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم (808) لعام 1993وانشاء محكمة مماثلة لمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا بقرار من مجلس الأمن رقم 955 لعام 1994.
وقد كلفت الجمعية العامة لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة بإعداد مشروع نظام أساسي لمحكمة جنائية دولية، وما لبثت هذه اللجنة أن قامت بإعداد هذا المشروع وقدمته إلى الجمعية العامة عام 1995.
وفي عام 1996 قررت الجمعية العامة تبديل اللجنة الخاصة باللجنة التحضيرية لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وقد كلفت هذه اللجنة بإعداد نص موحد لمشروع النظام الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية وتقديمه إلى مؤتمر للمفوضين الدبلوماسيين يعقد في روما بإيطاليا بدعوة من الجمعية العامة للأمم المتحدة.
انعقد المؤتمر عام 1998 وعرضت عليه اللجنة التحضيرية المشروع الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وقد وافق المؤتمر عليه، وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية وفق النظام الأساسي لها هيئة دائمة مقرها في لاهاي بهولندا،
ولها سلطة ممارسة اختصاصاتها على الأشخاص إزاء أشد الجرائم خطورة، وهذه الجرائم منصوص عليها في المادة الخامسة من النظام الأساسي وهي :
1. جريمة الإبادة.
2. الجرائم ضد الإنسانية.
3. جريمة الحرب
4. جريمة العدوان.
وتمارس المحكمة اختصاصاتها فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم إذا أحالت دولة طرف إلى المدعي العام لدى المحكمة حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت، ويمكن أن تتم الإحالة من مجلس الأمن متصرفاً بموجب الفصل السابع من نظامه، كما أن للمدعي العام أن يباشر التحقيقات من تلقاء نفسه على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة.
ويذكر أن (139) دولة من بينها (13) دولة عربية كانت قد وقعت على النظام الأساسي قبل (31) كانون الاول من عام 2000 وهو آخر موعد للتوقيع.
وابتداء من عام 2002 باشرت محكمة الجنايات الدولية عملها ، حيث كانت دول الاتحاد الأوروبي من أكثر دول العالم دعما لإنشاء هذه المحكمة، وقد صادقت الولايات المتحدة على النظام الأساسي للمحكمة، ولكنها سارعت وسحبت هذا التصديق ووقفت موقفاً معادياً من إنشاء المحكمة. وبدأت تسعى لدى دول العالم وخاصة لدى الدول النامية لتوقيع اتفاقيات ثنائية معها تمتنع هذه الدول بموجبها عن تسليم أي أمريكي مطلوب للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية موجوداً على أرضها.
المدعي العام للمحكمة وقضية دارفور:
بدأت علاقة لويس مورينو أوكامبو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بقضية دارفور عندما تم اختياره في (21) نيسان عام 2003 كأول مدع عام للمحكمة الجنائية الدولية، ومنذ ذلك الحين اعتمد نهجاً متشدداً في التعامل مع قضية دارفور واتضح ذلك بشكل كبير في تقريره الذي قدمه إلى مجلس الأمن الدولي يوم (5) حزيران من هذا العام حيث أكد فيه أنه بعد ثلاث سنوات من تكليف المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في جرائم الحرب في الإقليم لا تزال المذابح مستمرة في دارفور ولا تزال معسكرات اللاجئين تشهد وقوع جرائم منظمة وبأنه
لم يتم نزع سلاح ميليشيات الجنجويد بل أدمجت في قوات الأمن النظامية وتمركزت بالقرب من هذه المعسكرات كما اتهم اوكامبو جهاز الدولة كله في السودان بالضلوع في حملة منظمة لمهاجمة المدنيين في دارفور.
تداعيات قرار المدعي العام:
كان وقع قرار لويس مورينو أو كامبو المدعي للمحكمة الجنائية الدولية على السودانيين بإيقاف واعتقال الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة في إقليم دارفور صاعقاً ومستفزاً. فمنذ صدور هذا القرار لا تزال اثاره وتداعياته تتوالى حيث اجتاحت المجتمع السوداني حالة من التوحد وخرجت المسيرات الاحتجاجية التي رفعت شعارات من مثل لن نذل ولن نهان.
ويأتي قرار المدعي العام الخطير هذا عقب إعلان المحكمة الجنائية الدولية في منتصف حزيران بأنها تراجعت عن خطة لخطف طائرة أحمد هارون وزير الداخلية السابق الذي اتهم مع (50) مسؤولاً سودانياً بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1593 مع إحالتهم على المحكمة للتحقيق، حيث أصدرت قرارها بالاتهام .
ويعتبر قرار المدعي العام في 14 تموز من الشهر الماضي تصعيداً خطيراً للوضع في الساحة السودانية وهو موجه إلى قضاة المحكمة لإصدار توقيف بحق الرئيس السوداني بتهمة الإبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وبطبيعة الحال لم يصدر القضاة حتى الآن قرارهم، إلا أن التداعيات لهذا القرار أربكت القوة الدولية في دارفور التي وضعت في حالة تأهب وقالت بأنها ستجلى عناصرها غير الأساسيين مع إبقاء جنودها في الميدان تحسباً لاتخاذ مواقف عدائية ضدها.
وبتاريخ 25 تموز حذر السودان رسمياً بأنه يمكن أن يطلب رحيل قوة السلام المشتركة الدولية الأفريقية المنتشرة في دارفور في حال أصدرت المحكمة الجنائية مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني، وبذلك ستواجه الأمم المتحدة وضعاً صعباً وبالغ التعقيد لأن كبرى بعثاتها الأمنية في العالم "يوناميد" العاملة في دارفور ستصبح منعزلة في منطقة معادية وهي تضم عشرة آلاف عنصر يواجهون مصاعب جمة حيث لا يتوفر لديهم وسائل النقل والحماية الجوية ويذكر أنه كان من المقرر أن يصل عدد هذه القوات إلى (26) ألفاً لكن تردد الدول المعنية في توفير ما يلزم لهذه القوات أبقى هذا العدد المحدود والذي ستزداد المخاطر أمامه، إذ أصبح السودانيون ينظرون إلى هذه القوات نظرة معادية. ولكن يبدو أن قرار مجلس الأمن الدولي في الأول من آب (2008) بالموافقة على تمديد مهمة قوة السلام المشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في إقليم دارفور لفترة سنة مقابل تجميد ملاحقة الرئيس عمر البشير قانونياً قد خفف من حدة هذه الأزمة . فقد صوت (14) عضواً من أعضاء المجلس على القرار الذي تقدمت به بريطانيا، فيما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت ووجهت انتقاداً شديداً لما تضمنه النص من استبعاد لأي ملاحقة قانونية للرئيس السوداني على التهم التي وجهت إليه من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.
ومن اللافت أن الموقف الأمريكي كان أمام خيارات صعبة لأنه لو استخدم حق النقض الفيتو في التصويت على القرار لترك بعثه حفظ السلام في حالة فراغ قانوني، حيث جرى التصويت قبل ساعات من انقضاء تفويض قوة حفظ السلام المختلطة.
الموقف العربي من القرار:
اعتبر د. عبد الله الاشعل أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري السابق في مقابلة أجرتها معه الجزيرة نت في 21 تموز الماضي قرار المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور بأنه قرار لا مستقبل له وغير قابل للتطبيق ، مضيفاً بأنه قرار أضر بسمعة المحكمة الدولية أكثر من إفادته للعدالة .
وأضاف : إن الدول الأعضاء بالمحكمة أو تلك الموقعة على اتفاق تعاون معها هي فقط الملزمة بتسليم الأشخاص الذين يتهمهم المدعي العام ، أما الدول غير الأعضاء فليست ملزمة قانونياً بذلك. وأشار أستاذ القانون الدولي إلى وجود تناقضين أساسيين بالقرار – الأول: هو تعارضه مع النظام الأساسي للمحكمة والذي ينص على أنها مكملة للقضاء الوطني للدول وليس بديلة عنه، بمعنى انه بمجرد بدء المحاكم الوطنية نظر القضية يتوقف تلقائيا عمل المحكمة الدولية.
ويمكن التناقض الثنائي في مسألة الحصانة لأنها نقطة خلاف أساسية في النظام الأساسي للمحكمة الذي يجيز توقيف واعتقال المسؤولين المتمتعين بالحصانة، وهو أمر يرفضه القانون الدولي مؤكداً ضرورة أن تعمل المحكمة الجنائية ضمن القانون الدولي وفي إطاره وليس العكس.وجعل قرار مدعي عام المحكمة الدولية العرب يتبنون موقفاً أكثر حزماً حيث جاء بيان الجامعة العربية قريباً من مستوى خطورة الحدث وركز على نقطتين هامتين الأولى : إدانة القرار والتأكيد بأنه قرار سياسي، والثانية : تأييد ودعم الرئيس السوداني.
وفي هذا الإطار أشار سامح عاشور رئيس اتحاد المحامين العرب إلى أن قضية توقيف رئيس الجمهورية السودانية ومن معه قضية باطلة أحالتها محكمة غير مختصة، وهذا ما أكدته المادة الأولى من النظام الأساسي لإنشاء المحكمة نفسها الذي نص على أن تكون المحكمة مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية ويخضع اختصاص المحكمة وأسلوب عملها لأحكام هذا النظام. ومعنى هذا أن المحكمة الجنائية الدولية لا تمارس اختصاصها إلا إذا كان القضاء الوطني غير قادر على ذلك، هذا إلى جانب ان السودان ليس عضوا في نظام المحكمة. فالفقرة (2) من المادة (4) من النظام الأساسي للمحكمة يقول "على المحكمة أن تمارس وظائفها ومسؤولياتها على النحو المنصوص عليه في النظام الأساسي في إقليم أي دولة طرف في الاتفاقية. وحتى لو كان السودان طرفاً، فإن القضاء السوداني وفقاً للاتفاقية هو المختص أصلاً بمحاكمة كل من ينسب إليه ارتكاب جرائم في إقليم دارفور".
ومن المؤكد أن حالة التوحد التي اجتاحت المجتمع السوداني عقب صدور القرار انتقلت عدواها سريعاً إلى المجتمعات الأفريقية والعربية التي انتفضت بمختلف مؤسساتها لمناهضة القرار والوقوف إلى جانب السودان بحسب ما ذكره هشام محمود في صحيفة الأهرام في الرابع من آب (2008).

 
إعداد زهير القواس .