الموقف الروسي الجديد

بعد احداث جورجيا
 

  بدا الموقف الروسي من الأزمة مع جورجيا على حد تعبير الكاتب ستيفن كنزر (1) الذي استعاد مقوله ويليام شكسبير " ليفعل هرقل ما يريد " وكأنه يتحدى الإدارة الأمريكية بقوة عشية الهجوم الجورجي على اوسيتيا الجنوبية ليوصل رسالة تقول : فلتفعل امريكا ما تشاء فنحن هنا لاستعادة السيطرة الروسية على القوقاز.

ويبدو الآن موقف الإدارة الأمريكية الحالية مع قرب نهاية عهدها وبخاصة مع انهيار النظام المالي الأمريكي الذي ترك تأثيره على نطاق واسع في معظم أنحاء العالم كموقف " شمشون الذي هدم المعبد عليه وعلى اعدائه " حيث يذكر استاذ جامعة هارفارد روجر أوين (2) بأن الرئيس الأمريكي اخذ يطالب شعبه بأن يقر بجدية الخطر الذي يتربص بالولايات المتحدة ، مع انه هو الذي كان وراء الوصول الى هذا الوضع ".

اسباب الموقف الروسي الجديد


قبل الحديث عن موقف روسيا الجديد القوي والحازم والذي تأكد اكثر مع تعميق الازمة المالية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، لا بد من استعراض الأسباب التي دفعت بروسيا لاتخاذ مثل هذا الموقف الذي وضعها امام مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي .
اولاً : منذ انهيار الاتحاد السوفييتي لم تتغير السياسة الأمريكية والأوروبية تجاه روسيا حيث كان التخطيط الأمريكي يعمل بثبات لمحاصرة روسيا وعزلها للنفاذ لجمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً وصنع قيادات ونخب موالية للغرب تفسح المجال لبناء قواعد عسكرية ومنصات صواريخ تستهدف روسيا على نحو مكشوف .
ولم يبقَ امام الغرب سوى التسلل لداخل روسيا لتمزيقها من الداخل وتفكيك بنيه الدولة والمؤسسة العسكرية حتى لا تمتلك الإرادة السياسية والقوة العسكرية ولا يصبح امامها سوى الاستسلام الكامل لإرادة الناتو .

ثانياً : لكن روسيا في عهد الرئيس بوتين استعادت جزءاً كبيراً من قوتها ، فإقتصادها سيكون بحسب الخبراء قريباً خامس اقتصاد في العالم واحتياطها النقدي هو ثالث احتياطي نقدي في العالم حيث بلغ (470) مليار دولار عام 2007 وهي الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث القوة العسكرية بما في ذلك الاسلحة النووية .
كما ان معدل نمو الاقتصاد الروسي لم يهبط عن (7%) خلال تسعة اعوام وفي عام 2007 ارتفع معدل النمو الى (8.1% ) بينما قفزت الاستثمارات الخارجية من 14.6 مليار دولار عام 2005 الى (45) مليار دولار عام 2007 .(3) .
ثالثاًُ واخيراً : تمادت الولايات في استفزاز الروس الى درجة كبيرة وخطيرة ليس فيما يخص الدرع الصاروخية وضم دول اوروبا الشرقية للناتو فقط بل من خلال التحريض والدعم المستمر لكل الانظمة المعادية لروسيا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق مع السعي الجدي لضمها لحلف الاطلسي ، الامر الذي يعني وجود هذه القوات على حدود روسيا واقترابها وسيطرتها على كل طرق امدادات الطاقة من مناطق النفوذ والسيطرة الروسية بما فيها بحر قزوين ، أي افقاد روسيا مجالها الحيوي وكذلك التلويح بافقادها تسهيلات اسطول البحر الاسود في منطقة القرم التي تقع داخل الحدود الاوكرانية الامر الذي لا يترك مجالاً للروس سوى قبول التحدي .


قبول التحدي:


لم يكن قبول التحدي من قبل روسيا انفعاليا فهي بالتأكيد رسمت لنفسها سياسات استراتيجية تفضي الى وقف تمدد حلف الناتو وتوسعه باتجاهها من خلال اتخاذ العديد من الإجراءات المضادة . فهي في ردها الحازم قد أخرجت ابخاريا نهائياً من نطاق جورجيا ليتسع الساحل الروسي على البحر الاسود ويضيق الساحل الجورجي وتعمل على انضمام روسيا البيضاء للاتحاد الروسي كونفدرالياً ومن المحتمل ان تسعى للسيطرة على شبه جزيرة القرم بالكامل التابعة حالياً لاوكرانيا وقلب الأوضاع في جمهورية اذربيجان بإحلال نظام صديق لها والسعي لإخراج القواعد الأمريكية من جمهوريات آسيا الوسطى .
وكذلك العمل على تشجيع قيام انظمة صديقه في لتوانيا ومعها لاتفيا واستونيا وهي من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق على بحر البلطيق عبر الضغط عليها من خلال وجود الجاليات الروسية ، وبالإضافة الى ذلك فإن روسيا ستعمل عبر اصدقائها في بولندا وتشيكيا وبلغاريا لرفض نصب الصواريخ الامريكية .
وبطبيعة الحال فإن الرد الروسي لم ولن يقتصر على الرد في المجال الحيوي الروسي بل سيشمل مناطق عديدة في العالم ، حيث يرى محللون سياسيون واقتصاديون ان إنغماس روسيا في إستراتيجية امن الطاقة يشكل رداً روسياً هادئاً ومتدرجاً على الضربة الأمريكية القاسية التي تلقتها موسكو واستثماراتها النفطية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي .
حيث يذكر معن بشور(4) ان القليل من المحللين انتبهوا الى ان الحرب التي شنتها جورجيا التي يمر عبرها احد اهم انابيب النفط القادم من باكو الى تبليسي فميناء جيهان التركي قد سبقها بأيام اتفاقان بالغا الأهمية والخطورة على صعيد الطاقة بين شركة غاز بروم الروسية الحكومية العملاقة وبين تركمنستان القوقازية وينص الاتفاق الاول الذي تم توقيعه في العاصمة التركمانستانية على تحديد آلية تسعير مشتريات الغاز من الجمهورية السوفياتية السابقة لصالح الاتحاد الروسي ولمدة عشرين عاماً، كما أعطى الاتفاق الثاني غاز بروم وحدانية المساهمة في بناء مشاريع الطاقة في تلك الدولة القوقازية .

وبحسب الخبير الدبلوماسي الهندي بهادرا كوما فإن ما جرى في القوقاز لم يكن له مثيل في الجغرافيا السياسية للنفط ، بل ان الولايات المتحدة عانت من هزيمة كبرى في سباقها من اجل غاز قزوين.

روسيا والطاقة لاوروبا :

كشفت الحرب الروسية الجورجيه عمق التحدي الذي تمثله روسيا الفيدرالية ليس فقط تجاه الولايات المتحدة بل تجاه الاتحاد الاوروبي ، الذي فتح عيونه بعد الحرب ليجد نفسه امام حقيقة إستراتيجية خطيرة وهي ضعفه امام حاجته للطاقة الروسية ، الامر الذي دفع برئيس الوزراء البريطاني غوردن براون الى الدعوة الى التفكير الجدي في البحث عن مقاربة جديدة للعلاقات بين الطرفين يكون اساسها إيجاد بدائل للطاقة تخلص اوروبا مما تعتبره بعض الاصوات امبريالية الطاقة الروسية تجاه اوروبا (5) حيث تعتبر روسيا عملاقاً اقتصادياً في مجال الطاقة كونها تملك سابع اكبر احتياطي نفطي في العالم بعد دول الخليج وفنزويلا ويقدر بنحو (60) مليار برميل ويشكل (6.4% ) من الاحتياطي العالمي ، بالإضافة الى انها اكبر دول العالم من حيث احتياطيها من الغاز الطبيعي الذي يقدر بـ (7.1) بليون متر مكعب وهو ما يمثل (27%) من الاحتياطي العالمي ، حيث تمثل اوروبا سوقاً مهمة للنفط الروسي ، كونها تمد الدول الأوروبية بثلث احتياجاتها من الغاز والنفط وبخاصة المانيا التي تعتبر روسيا اكبر مصدر للنفط والغاز اليها .
وبالإضافة إلى ذلك فإنه من المتوقع أن يغطي الغاز الروسي في العام 2020 نحو (70%) من احتياجات القارة الأوروبية.


إستراتيجية روسيا الحالية:

اتبعت روسيا إستراتيجية ذات ثلاثة أبعاد لدعم القدرة التنافسية لها في سوق النفط الأوروبية وإحكام قبضتها على شبكات نقل النفط وتوزيعه بها وهي في هذا الإطار نفذت مشاريع عدة من بينها :
1. مشروع أنبوب النفط بروجاس –الكسندر بوليس الذي تم توقيع الاتفاق بشأنه بين كل من روسيا واليونان وبلغاريا لنقل النفط من ميناء نوفوروسكايا المطل على البحر الأسود إلى ميناء بورجاس البلغاري ومنه بأنبوب النفط الجديد إلى مدينة الكسندر بوليس اليونانية ثم إلى دول أوروبا الغربية، وأهمية هذا الخط أنه يحكم قبضة روسيا على قطاع الطاقة في أوروبا.
2. كما ان شركة غاز بروم الروسية اتفقت في عام 2007 مع مؤسسة فلوكس البلجيكية على إنشاء مستودع ضخم للغاز الروسي في بلجيكا مطلع عام 2013 حيث تقدر السعة التخزينية للمشروع بنحو (300) مليون متر مكعب من الغاز سيوجه للتوزيع في أوروبا .
3. ويضاف إلى ذلك وجود مشروع أنبوب الشمال الأوروبي –الروسي –الألماني لنقل الغاز الذي يمتد من منطقة فيبورغ الروسية على بحر البلطيق إلى الشواطئ الألمانية، حيث من المقرر ان يبدأ تشغيل الأنبوب في عام 2010.
4. كما ان شركة غاز بروم أبرمت اتفاقاً مع ائتلاف الطاقة الايطالي (إي. إن. إن) يتم بموجبه بناء خط لأنابيب الغاز يمتد من روسيا إلى جنوبي أوروبا عبر البحر الأسود.
5. وكذلك عملت روسيا على السيطرة على شبكات نقل الطاقة التي تمثل بدائل محتملة للطاقة الروسية وبخاصة في آسيا الوسطى، حيث وقعت اتفاقية مع كازاخستان لزيادة كمية النفط المصدر عبر روسيا إلى أوروبا.كما عقدت اتفاقاً مع تركمنستان لمد خط غاز جديد إلى أوروبا عبر الأراضي الروسية إلى بلغاريا واليونان ونظراً لان موارد الطاقة ليست مجرد سلع تجارية حيث تعتبر موارد إستراتيجية جيوسياسية فقد أدى ذلك لمخاوف الاتحاد الأوروبي من استخدام إمدادات النفط كسلاح سياسي من جانب روسيا، حيث تعززت هذه المخاوف عندما وقعت أزمة بين روسيا وأوكرانيا حول إمدادات الطاقة لأوكرانيا، واخيراً بعد سيطرة روسيا على إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا حيث يمر خط الأنابيب من باكو عبر جورجيا إلى تركيا. ولذلك لم يكن غريباً أن تنقسم الدول الأوروبية في اجتماعها الذي انعقد في أيلول الماضي حول مسالة العقوبات الاقتصادية على روسيا، فقد أبدت ألمانيا تحفظاً على أي تجميد للعلاقات مع موسكو، بينما تقدمت فرنسا بحل وسط يقضي بأن يقوم الاتحاد الأوروبي بمراقبة مدى استعدادها للتعاون قبل اتخاذ أي مراجعة جدية للعلاقات معها.


اعترافات متأخرة:

في مقال هام لوزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر في صحيفة الغارديان اعتراف واضح بالدور الروسي حيث يقول : ظل الغرب ولفترة طويلة يتجاهل حقيقة أن روسيا استعادت قوتها ولم يكن مستعداً لقبول نتائج مثل هذا التطور . ويضيف : ولكن ليس روسيا فقط تغيرت بل أن العالم أجمع تغير، فلقد أضاع المحافظون الجدد في الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من قوة دولتهم وهيبتها وسلطتها الأخلاقية في حرب لا طائل منها في العراق مما أضعف القوة العالمية الوحيدة وباتت روسيا والصين والهند والبرازيل تشكل مراكز النمو الجديدة في الاقتصاد العالمي وستصبح قريباً مراكز القوة الجديدة في العالم ، ولذلك فإن انقسام أوروبا يؤكد صورة الغرب الذي فقد الإحساس بالحقائق الجيوسياسية في العالم . وطالب باستخلاص العبر بقوله ان من يريد التعاون مع روسيا وهذا في مصلحة أوروبا ينبغي ان يكون قوياً.

كما أن الصحفي الأمريكي المعروف توماس فريدمان اعترف بأن الإستراتيجية الأمريكية التي اتبعت تجاه روسيا عشية انهيار الاتحاد السوفييتي كانت خاطئة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وقد كان عضواً في المجموعة التي كان يرأسها جورج كينان الاب الروحي لنظرية الاحتواء وتضم مايكل ماندلباوم الذي عارض الجهود التي كانت جارية آنذاك لتوسيع (الناتو). غير ان فريق كلينتون للسياسة الخارجية كان يرى أنه يتعين فرض عملية توسيع حلف الناتو شرقاً وفرض ذلك على روسيا لأنها كانت ضعيفة في ذلك الحين. ويفسر توماس فريدمان ذلك السلوك بقوله إن الرسالة التي كان ذلك الفريق يريد توجيهها لروسيا هي – أيها الروس نحن نتوقع منكم التصرف كالديمقراطيين الغربيين ولكننا سنعاملكم كما لو أنكم الاتحاد السوفييتي، فلقد انتهت الحرب الباردة بالنسبة لكم ولكنها لم تنته بالنسبة لنا.
ويعتبر توماس فريدمان تصرف فريق كلينتون آنذاك بأنه قام على فرضيتين زائفتين الأولى أن روسيا دولة عدوانية بطبيعتها وهو ما يتطلب توسيع التحالف شرقاً للوصول إلى حدودها.
أما الفرضية الثانية فهي أن روسيا ستظل على الدوام دولة ضعيفة بدرجة لا تسمح لها بتعريض أي من دول الناتو للخطر وكلتا الفرضيتين كانتا خاطئتين.


الحقائق الجديدة:

أعلن الرئيس ديمتري ميدفيدف في 25 آب في خطاب رسمي بثه التلفزيون الروسي بأنه وقع المراسيم المتعلقة باعتراف روسيا باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا ، وأضاف أن روسيا تدعو الدول الأخرى إلى ان تحذو حذوها مبيناً بان تبليسي (عاصمة جورجيا) قامت بخيارها ليل 7-8 آب وألغت بذلك كل آمال التعاون السلمي بين الأوسيتيين والأبخاز والجورجيين في دولة واحدة" حيث أن الهجوم الجورجي بدأ في ليل 7 آب بزعم استعادة الجمهورية الانفصالية، وردت عليه روسيا بعملية عسكرية واسعة قصمت الجيش الجورجي وتوغلت في الأراضي الجورجية إلى ان انسحبت في العاشر من تشرين أول بعد الوساطة الفرنسية وقبلت بوجود مراقبين أوروبيين في الأراضي الجورجية.

وبالرغم من المعارضة الأمريكية والأوروبية لاستقلال أوسيتيا الجنوبية وابخازيا عن جورجيا إلا ان روسيا حصلت على دعم معنوي قوي من البلدان الأعضاء في منظمة معاهدة الامن الجماعي وهي بيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيتان أوزبكستان وأرمينيا بالإضافة إلى الموقف الصيني المؤيد لروسيا.

وبذلك وبحسب العديد من المحللين السياسيين فلقد دشنت روسيا بتدخلها في جورجيا حقبة جديدة في العلاقات الدولية ستؤدي إلى نهاية النظام الأحادي القطبية وقيام نظام متعدد الأقطاب. في الساحة الدولية وهو ما تأكد أكثر مع انهيار النظام المالي الأمريكي واستمرار الأزمة المالية في الولايات المتحدة التي كشفت عن سقوط نظرية حرية السوق المطلقة، وأعادت الاعتبار لدور الدولة في تنظيم الاقتصاد وهو ما يشكل انهياراً أيديولوجيا للمحافظين الجدد لن يقل تأثيره على العالم، عن انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينات من القرن الماضي.


المصــــادر:

1. صحيفة عُمان العمانية 26/8/2008.
2. صحيفة الحياة اللندنية 9/10/2008.
3. موقع الكادر الاليكتروني 13/8/2008 –مقال للكاتب معقل زهور عدي.
4. موقع الكادر الاليكتروني –مقال معن بشور " إنها أكثر من حرب ... إنها انتفاضة".
5. صحيفة المستقبل اللبنانية 9/10/2008 – مقال بعنوان : أوروبا إمبريالية الطاقة الروسية . للكاتب غازي دحمان.
 

 إعداد :زهير القواس

 تشرين أول 2008