خطاب جلالة الملك في معهد "اسبن"

"قراءة ملكية عميقة للمشهد الإقليمي والدولي"

 يجهد جلالة الملك عبد الله الثاني بكل طاقاته ولغته الحضارية وعلاقاته الدولية المتميزة لدفع مسيرة السلام في الشرق الاوسط على قاعدة أن اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، على حدود 1967 ، لها اعتبارات أردنية خاصة ، عبَر عنها جلالة الملك ، في غير خطاب أن قضية فلسطين مصلحة أردنية وهمٌ أردني ، باعتبارها مفتاحا لحل جميع أزمات واشكاليات وصراعات الشرق الاوسط والعالم ، و حلها يعتبر لبنة الاساس في القضاء على الارهاب والارهابيين الذين يمتطون صهوة مأساة الشعب الفلسطيني كذريعة لأفعالهم المشينة ضد الانسانية.
لذلك لم يترك جلالة الملك منبرا اقليميا او دوليا ، او صانع قرار او ميدان يمكن ان يؤثر في صنع السلام في الشرق الاوسط ، إلا وطرق بوابته وارتحل اليه ، حاملا وعيه على حقيقة ان ما يمثله حل قضية فلسطين يساهم بالاسراع في القضاء على فوضى السلاح وتنامي العنف والارهاب في الشرق الاوسط والعالم ، وقد حقق الملك الهاشمي الكثير حتى أصبحت قضية فلسطين الآن في مركز الاهتمام الدولي واصبح العالم منشغلا فعلا في البحث عن سبل حلها .
وفي حلقة جديدة من حلقات دور جلالة الملك في حل القضية الفلسطينية، ألقى جلالته خطابا شاملا في معهد اسبن للدراسات الانسانية في ولاية كولورادو الاميركية ( الاثنين 21 تموز 2008 ) ، واضعا فيه النقاط على الحروف مستعرضاً المشهد العام في المنطقة ، وأسباب تعثر عملية السلام ، والدور الأميركي المطلوب للامساك بزمام الجهد الدولي ، لتحقيق تسوية تاريخية بين العرب واسرائيل ، وتداعيات الفشل على قوى الاعتدال العربي ، وعلى العالم بأسره.
ونعرض فيما يلي نص خطاب جلالة الملك والذي ألقاه بحضور وليام ماير رئيس معهد اسبن، و ليستر كراون نائب رئيس المعهد، ووولتر اساكسون الرئيس التنفيذي للمعهد، وحشد كبيرمن الفعاليات والشخصيات السياسية والفكرية والاكاديمية العالمية، وبعض ما ورد من ردود الافعال عليه، كما نعرض نبذة عن معهد اسبن للدراسات الانسانية، وقراءة تحليلية عما ورد في خطاب جلالته.

نص خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في معهد أسبن :

بسم الله الرحمن الرحيم
بيل، ليستر، وولتر، أصدقائي :
أشكركم على ترحيبكم الحار، وشكراً لك أيها الصديق الطيب" ليستر"، على تقديمك اللطيف. لقد كنت أتطلع إلى الحضور إلى معهد أسبن منذ فترة وأذكر في هذا الصدد أول مرّة وجهت لي الدعوة للقدوم إلى هذا الصرح - وكدت أن آتي - إلا أنني اضطررت إلى إلغاء الموعد نظرا لاجتماع تمت الدعوة إليه في البيت الأبيض. ولهذا، فاسمحوا لي أن أتقدم من بيل وليستر ووولتر بالشكر على مساعدتهم في إتاحة الفرصة لي لأن أكون هنا اليوم.
إن هذا المعهد يحظى باحترام كبير في منطقة الشرق الأوسط وذلك لاهتمامه بصورة جدّية بالحوار العالمي... ولسعيه لتوظيف أفضل القيم الأمريكية. واليوم، يشرفني أن أتبع خُطَى قادة العالم الذين شاركوا وتحدّثوا في الاجتماعات هنا.
أصدقائي، إذا ما نظرتم إلى المناظر الجبلية الرائعة التي تتمتع بها أسبن، فربما كان من السهل أن تظنوا بأن الشرق الأوسط بعيد جداً. وفي الواقع الجغرافي، فإن 11.000 كيلو متر تفصل بيننا - أي حوالي 7.000 ميل. أما في الواقع الإنساني، فإننا بالكاد ننفصل عن بعضنا بعضاً. فالأمريكيون - وربما العديد منكم - لديهم أُسَر في منطقتي. كما أن لكم شركاء اقتصاديون وزملاء أكاديميون وحلفاء في السعي من أجل تحقيق الأمن والتنمية في العالم. ومنطقتي تحتفظ كذلك ببعض أعمق الجذور الثقافية والدينية لبلدكم، وهي تحتفظ بمستقبلكم أيضاً. وليس هناك من منطقة أخرى تقوم بمثل هذا الدور الاستراتيجي، فيما يتصل بآمال وإمكانات أمريكا القرن الحادي والعشرين - اقتصادياً، وسياسياً، وثقافياً. وليس هناك من مكان آخر للحديث بصورة مباشرة عن الدور القيادي العالمي للولايات المتحدة الأمريكية، مثلما هو واقع الأمر في الشرق الأوسط.
إنني على يقين أنه وفي خضم سنة الانتخابات الرئاسية هذه، فإن الأمريكيين منشغلون في حوار وطني، حول التحديات العالمية وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا في الشرق الأوسط. وغالبا ما يتم سؤالي عن النصيحة التي قد أقدمها للرئيس الذي سيستلم زمام الحكم في العام القادم. ونصيحتي الأولى بالطبع أن لا تقدّم نصائحك الشخصية، تحت أي ظرف، في قاعة يحتشد فيها 800 شخص.
ولكن الحقيقة هي أن همومي فيما يتصل بالعالم ومنطقتي واضحة بصورة تامة. فأنا أرى أننا على مفترق طرق - في زمنٍ يتصف بالخطر والتحدّي، ولكنه أيضاً مليء بالفرص الفريدة. فالسلام في الشرق الأوسط قابل للتحقيق... وكذلك مستقبل المنطقة كواحة للازدهار والاستقرار. وهذا أساسي من أجل تحقيق السلام والتقدّم في عالمنا.
ولكي تتحرك الأحداث في الاتجاه الصحيح، فعلى بلدينا أن يمتلكا الإرادة للعمل. ولأمريكا دور بالغ الأهمية، كشريكة لأصدقائها، وكداعية قوية لتحقيق الأهداف التي نشترك فيها.
وعن هذه الشراكة بالذات، أودّ أن أتحدث اليوم. وآمل أن تستمعوا إلى كلماتي باعتبارها صادرة من صديق ومن شخص يقدّر العمل الجادّ من أجل السلام الذي قامت به هذه الإدارة والإدارات الأخرى ومجالس الكونغرس التي تعاقبت على بلادكم، ومن شخصٍ يعرف الشعب الأمريكي وقيمه ونواياه الطيبة.
في العام الماضي، شارك معهد أسبن في دعم استطلاع للرأي العام، أظهر أن غالبية الأمريكيين قلقون حول صورة بلادهم في العالم. ولكن مرّة بعد مرّة، أرى شعوب العالم تتجاوب بالقبول الكبير وذلك عندما تشعر أن القيم الأمريكية يَظْهرُ تأثيرها للعيان، وهي القيم المتمثلة في الدفاع عن العدالة والكرامة المتساوية لكل شخص وتوافر الفرص بصورة عادلة، وحماية الضعفاء واحترام البلدان الأخرى، صغيرها وكبيرها. وهذه المُثُل بمجموعها هي موروث الولايات المتحدة، ويجب أن تكون وَعْدها في المستقبل.
وفي الشرق الأوسط، فإن الفرصة قائمة لإحداث تأثير تاريخي قِوامُهُ سلامٌ بين العرب وإسرائيل، سلامٌ يخفف المعاناة الإنسانية التي مرّت عليها عقود، ويعمل على المضيّ قُدُماً وإحداث التقدم في هذه المنطقة الإستراتيجية ويرفع من وتيرة قوى الاعتدال في وجه التطرّف، ويُرْسي قاعدةً لمستويات جديدة من التعاون، خاصة بين العالم الإسلامي والغرب.
وليس هناك من صديق للسلام يمكنه أن يفعل أكثر مما تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تفعله لتحقيق هذا الهدف حيث يبيّن لنا التاريخ أن وراء كل حدث بارز في عملية السلام الطويلة هو الحضور المُلْتزم للولايات المتحدة الأمريكية وذلك في كامب ديفيد، ومدريد، وواي ريفر، وآنابوليس، والكثير غيرها. والآن، تلوح في الأفق مسألةُ إتمام هذه المهمة، وهي فرصة حاسمة للوصول للسلام والعدالة اللتين يأمل ويتوقع الملايين من الناس تحقيقها.
لقد كان هذا العام عاماً نَشطاً بالنسبة لنا، نحن الذين نعمل من أجل مساعدة الأطراف المعنية على تحقيق تسوية نهائية وشاملة. وفي محادثاتنا مع كلا الجانبين، نرى تفاؤلاً حول عملية السلام. لكن الأمر الذي يستأثر اهتمامي ويثير قلقي بدرجة كبيرة هو أن نتائج هذا العام على الأرض لم تكن في مستوى الطموح. ولا أستطيع أن أخفي عنكم ما يشعر به الشعب العربي من خيبة أمل حيث ما زلنا نرى إسرائيل تبني المستوطنات في الضفة الغربية المُحتلّة، ونرى الجدران وحواجز الطرق وهي تُقطّع أوصال المجتمعات الفلسطينية؛ ونرى الاقتصاد الفلسطيني في حالة فوضى وتخبّط، ونرى قراراتٍ وأحكام دولية مرّت عقود عليها يتمُّ تجاهلها مع عدم معاقبة المسؤول عن ذلك.
إن مثل هذا الوضع يفاقم الخطر الذي تمثله الجماعات المتطرفة، وينشر أجنداتهم التي تقوم على النزاع والفُرْقة. فعلى المستوى الإقليمي، ازداد العنف المدفوع بالتطرّف بصورة كبيرة. والشرق الأوسط يحتاج بصورة مُلحّة إلى أفق استراتيجي للتعامل مع هذه التحدّيات، أفق يعمل على وضع السلامَ في قمة الأولويات وما يمثله هذا الأمر من مصلحة للولايات المتحدة الأمريكية. وإذا لم تظهرْ لعملية السلام بعض المكاسب على الأرض، فإن النفوذ الأمريكي والمصداقية الأمريكية سيتقلصان بصورة دراماتيكية. وستواصل قوى التطرّف اندفاعها لإبعاد المنطقة عن الاعتدال، وإبعادها عن الشراكة مع الغرب.
ومن جانب آخر، فإن تحقيق اختراق تاريخي في عملية السلام سيبعث بإشارة قويّة تقول للناس، وخاصة شباب العالم، بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعني ما تقول حول العدالة والشراكة وأنها مستعدة لإتمام السير، في عملية صعبة، حتى تتأكد من إحقاق العدالة. وسيبعث هذا الأمر أيضا برسالة للمجتمع الإسلامي العالمي بأن الأمريكيين يتجاوبون مع قلقهم الذي استمر عقوداً حول القضية الفلسطينية. وسيقول لشبابنا أيضا بأن الالتزامات العالمية التي تدعمها أمريكا تشمل دعم حقوقهم أيضاً.
ودعوني أضيف إلى هذا بأن السلام يحتاج إلى العمل الجاد على الأرض، إضافة إلى العمل على طاولات المفاوضات. فهناك حاجة إلى الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، جميعاً، لخلق الظروف لتحقيق سلام مُستدام ولإعادة التقدّم باتجاه الحياة الطبيعية. وأودّ أن أنتهز هذه الفرصة لأعرب عن تقديري لمعهد أسبن على إسهاماته الإبداعية خاصة فيما يتصل بالشراكة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والفلسطينيين وصولا إلى مجموعتكم المعروفة بمجموعة استراتيجية الشرق الأوسط. وأنا شخصياً أقدّر بصورة خاصة تأكيدكم على أهمية النتائج العملية. وبالنسبة للناس الذين تساعدون في تغيير حياتهم، فإن هذا المعهد يمثل روح أمريكا، بل إنه يمثّل شراكة رابحة لشعبينا، مما يسهم في خلق مستقبل أفضل للعمل معاً.
إن الشراكات القائمة على الاحترام ذات أهمية بالغة في صنع السلام. ومن الأمور المُلحّة لأصدقاء المنطقة أن ينهض هؤلاء الأصدقاء لدعم من يعمل على مساندة التحرّك الإيجابي. وإذا كانت السياسة المطلوبة هي عزل المتطرفين والضغط عليهم، دون دَعْم نَشِط للقوى الشرعية المعتدلة، فإن الناس لن يروا تحسنا في الظروف، وستفقد السياسات المصداقية. أما في الضفة الغربية، فسيعني هذا الأمر مساعدة السلطة الوطنية الفلسطينية لتحقيق الأمن، واعتماد أساليب الحكم الرشيد، ونشر الأمل وتخفيف حواجز الطرق وإعادة الأطفال إلى المدارس وخلق الوظائف. وفي لبنان، سيعني الوقوف خلف السيادة الشرعية للدولة، والحل السلمي للقضايا. وفي العراق، سيعني مدّ اليد إلى السنة والشيعة والأكراد وهم يعملون على تحسين ظروف الحياة، وعلى التقدّم نحو الخطوة التالية.
كما أن الشراكات القائمة على الاحترام هي أساسية لدعم الديمقراطية والتنمية في العالم حيث تنخرط البلدان في أرجاء الشرق الأوسط، حالياً، في تطبيق الإصلاحات التي نحتاجها لمساعدة شعوبنا على الازدهار والشعور بالأمن. ونحن نشترك في الأهداف والمعايير مع البلدان الناجحة في أرجاء العالم، بما في ذلك الغرب. ولكن ليس هناك من وَصْفة خارجية جاهزة لأساليب الحكم الرشيد، والنجاح الاقتصادي، والتقدّم الاجتماعي. وللغرب دور هام في تفهّم ما نحاول القيام به ودعم الإصلاح. وهذا الأمر هو في مصلحة أصدقائنا أيضاً، فنجاح الإصلاح في الشرق الأوسط سيعزّز الاعتدال والاستقرار في منطقتنا. وسيضيف قوة جديدة إلى الشراكة العالمية من أجل التعايش والأمن في هذا العالم المتشابك.
أصدقائي، وصف إبراهام لنكولن أمريكا على أنها بلد أُسّس على الأمل، لا من أجل شعبها فحسب، بل للعالم أجمع أيضاً. فالاستقلال وحكم القانون والقبول بين مختلف الأديان والثقافات والفرص للجميع كلّها قيم تحملُ الوعد بعالم آمنٍ مُزْدهر.
والأمر ليس في أن القيم الأمريكية غدت عالمية. بل الأمر في أن القيم العالمية تَصِلُ ما بين شعوبنا في شبكة مترابطة الأوصال. إنني على يقين أنه هنا في أسبن وفي أمكنة أخرى، يتحدث كبار مُنّظري التكنولوجيا عن ما يعرف بتقنية كلاود وهي تلك الشبكة التي بدأت بالظهور بالمعلومات والصوت والصورة معاً، مما يُتوقّع معه أن تتيسر لنا خيارات وإمكانيات جديدة. وربما كان علينا أيضاً أن نتحدث عن شبكة نظيرة للقيم، أي بنية عالمية مترابطة من التطلعات والأهداف المُشتركة تمكننا من الحصول على فرص جديدة واسعة كي نتعاون ونتقدم.
واسمحوا لي أن أبدأ في هذا الأمر بين أمريكا والشرق الأوسط، والعالم الإسلامي ككل. وأنا أحث الأمريكيين للانضمام لنا في حوارٍ وجهاً لوجه، من ذلك النوع الذي يمكن أن يحطم المفاهيم الخاطئة ويساعد الناس على اكتشاف الأرضية المشتركة بينهم. وأحثُّ أمريكا وجامعاتها ومراكز الفكر والدراسات فيها لإبقاء الأبواب مفتوحة أمام الشبّان العرب الذين يتوقون إلى العمل معكم. وأحثّكم على أن تعملوا مع دول منطقة الشرق الأوسط لنحقق معاً التقدّم الملموس الذي نسعى إليه. وأحثُّ هذه الأمة العظيمة على الإمساك بزمام الجهد الدولي الذي يجب أن نَحْظى به لإيجاد تسوية سلمية تاريخية، وخلق مستقبل جديد للفلسطينيين والإسرائيليين معاً. فهذه هي قوّة شراكتنا. والملايين من الناس بحاجة إلى رؤيتنا ونحن ننجح.
ولكم جزيل الشكر.

قراءة في خطاب جلالة الملك:

تطرق جلالة الملك عبدالله الثاني في خطابه الى جملة من القضايا المهمة، وبالطبع لا تستقطب أي قضية اهتمام العالمين العربي والإسلامي اكثر من النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، لذلك تبذل الدبلوماسية الأردنية جهوداً حثيثة بقيادة جلالة الملك الذي يعمل بكل ما يملك من خبرة وحنكة ودراية ، واصرار لوضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني ، وتحقيق طموحاته وحقوقه المشروعة في اقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف، وكان جلالته يؤكد دائما: "اننا في الأردن الأقرب إلى فلسطين وإلى الشعب الفلسطيني، ومصالح الشعبين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية متشابكة ومترابطة وكثير من الأسر الأردنية لها أخ أو قريب أو عزيز في الضفة الغربية، ولذلك فإن كل ما يجري في الأراضي الفلسطينية يتأثر به الأردن لكن بصراحة نحن قلقون على ما يجري سواء بالنسبة لموضوع القدس أو الاستيطان ولذلك فإن قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة هو هدف أساسي بالنسبة لنا وهو ضرورة وحق مشروع بالنسبة للفلسطينيين، كما يجب أن يحترم العالم خيار الشعب الفلسطيني وحقه في اختيار قيادته ونحن في الأردن حريصون على دعم الأشقاء الفلسطينيين حتى يتوصلوا إلى حقوقهم وقيام الدولة الفلسطينية، وسوف نتعامل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة وفقاً لثوابتنا الوطنية"، وكان "المعهد العربي الأمريكي" ومنظمة "أمريكيون من أجل السلام" قد شاركا في تنظيم استطلاع لآراء العرب واليهود الأمريكيين، أجرته مؤسسة "زغبي إنترناشيونال لبحوث الرأي العام" لقياس مدى مساندة الجانبين لإقرار السلام في الشرق الأوسط في ذكرى مرور أربعين عاما على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في أعقاب حرب عام 1967، وأظهر الاستطلاع أن أغلبية كبيرة من العرب واليهود الأمريكيين تؤيِّـد حلا دائما يستنِـد إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلّـة، تعيش في سلام بجوار إسرائيل وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، كما وافق أكثر من 80% من العرب واليهود الأمريكيين على أهمية حلّ الصراع العربي الإسرائيلي، بالنسبة للمصالح الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وعن السبيل الأفضل للتحرك في عملية السلام، رأت نسبة 70% من اليهود الأمريكيين ونِـسبة وصلت إلى 82% من العرب الأمريكيين، أن مبادرة السلام العربية توفِّـر أفضل أساس للتفاوض.
وعلّـق السيد نضال إبراهيم، المدير التنفيذي للمعهد العربي الأمريكي لسويس إنفو على نتائج الاستطلاع فقال: "لقد أدرك عدد مُـتزايد من العرب واليهود الأمريكيين، أنه لكي يمكن تحقيق تسوية سلمية شاملة ودائمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فيجب أن يعمل الجانبان معا، فقد رأينا إسرائيل وبعد أربعين عاما من الانتصار في حرب عام 1967، لم تستطع أن تنعم لا بالأمن ولا بالسلام، ولذلك، يُـدرك الجميع الآن أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتأتّـى إلا من خلال تسوية عن طريق التفاوض، تضمن حقوق ومصالح وأمن الفلسطينيين والإسرائيليين، وليس من خلال حل عسكري يفرضه طرف على الطرف الآخر".
واتفق معه في هذا التحليل السيد ناعوم شيليف، المتحدث باسم منظمة أمريكيون من أجل السلام الآن، الذي قال لسويس إنفو:
"لقد تمكّـنت إسرائيل قبل أربعين عاما من استخدام نصرها العسكري لإثبات أنها ستبقى في المنطقة، ولكنها عجزت طوال أربعة عقود عن أن تحقق لنفسها الأمن والسلام، والسبب الرئيسي في ذلك الفشل، هو أنها لم تُـدرك حقيقة أن النّـصر العسكري في حدّ ذاته، لا يوفر الأمن والسلام الدائم، إلا إذا تمّ التوصل إلى اتفاقيات سلام تضمـن حقوق ومصالح الطرفين من خلال التفاوض".
كما حذر جلالة الملك من انه "ما لم تظهر لعملية السلام بعض المكاسب على الارض فإن المصداقية الاميركية ستتقلص بصورة دراماتيكية وستواصل قوى التطرف اندفاعها لابعاد المنطقة عن الاعتدال". وقد طرحت سويس إنفو سؤالا على المتحدث باسم منظمة أمريكيون من أجل السلام الآن ناعوم شيليف وهو: كيف يتّـفق التقييم السلبي لبوش بين من استطلعت آراؤهم، مع افتخار الرئيس بوش بأنه أول رئيس أمريكي يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة؟ فأجاب قائلا: "لقد كان الرئيس بوش بالفعل أول رئيس أمريكي يدعو علنا إلى تسوية، تستند إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولكنه وخلال ستة أعوام من وجوده في البيت الأبيض، فشل في أن يُـترجم أقواله إلى أعمال وأخفقت الولايات المتحدة تحت حُـكمه في الإبقاء على قوة الدفع في عملية السلام الصّـعبة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتي تحتاج إلى دور أمريكي مثابر ومتابعة متواصلة، وهو ما أخفق فيه الرئيس بوش". وعلّـق السيد نضال إبراهيم، المدير التنفيذي للمعهد العربي الأمريكي على اعتقاد أغلبية العرب واليهود الأمريكيين بفشل الرئيس بوش في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي، فقال لسويس إنفو: "لقد أدّى اقتصار بوش على القول دون العمل، إلى تراجع هيبة ومِـصداقية الولايات المتحدة في العالم العربي، لذلك، لم يكن غريبا أن تجمع غالبية كبيرة من العرب واليهود الأمريكيين على تقييم أدائه فيما يتعلق بجهود السلام في الشرق الأوسط، بأنه غير فعّـال، على عكس الرئيس كلينتون، الذي حظِـي بإعجابهم لمشاركته الشخصية ومتابعته لعملية السلام في المنطقة".
وقد تطرق جلالة الملك في خطابه ايضا إلى الانتخابات الرئاسية الاميركية بقوله: "إنني على يقين أنه وفي خضم سنة الانتخابات الرئاسية هذه، فإن الأمريكيين منشغلون في حوار وطني، حول التحديات العالمية وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا في الشرق الأوسط"، ويرى المختصون ان أي استراتيجية أمريكية مقبلة في الشرق الأوسط لابد وأن ترتكز علي العناصر التالية:
- تجديد الجهود الخاصة بحلحلة الصراع العربي - الإسرائيلي.
- احتواء تداعيات الحرب الأهلية في العراق.
- المفاوضات مع إيران يجب أن تستهدف الحد من طموحها النووي، وعقد مفاوضات ثنائية من أجل تقليل مخاوف جيرانها.
- وضع ترتيبات أمنية إقليمية من أجل احتواء الخطر الإيراني ومنع حدوث سباق تسلح نووي في المنطقة.
- وضع أجندة للإصلاح السياسي والاقتصادي قد تساهم في صياغة عقد اجتماعي جديد بين الحكومات العربية وشعوبها.
- في الدول الأقل استقراراً يجب التركيز علي بناء المؤسسات الديمقراطية، بدلاً من الاهتمام فقط بإجراء انتخابات نزيهة.
كما أكد جلالته على أهمية الحوار في حل المشاكل بالمنطقة وفي العالم فالحوار يجب أن يبقى الخيار الأول والأخير بعد ان اكتوت المنطقة والعالم بنيران الحروب ، داعياً الى دعم الشرعية اللبنانية ، والمصالحة في العراق الشقيق ، ودعم السلطة الفلسطينية لتحقيق الأمن ، واعتماد أساليب الحكم الرشيد ونشر الأمل ، واعتماد الحوار مع ايران لحل مشكلة الملف النووي ، داعياً الجامعات الأميركية ومراكز الأبحاث عدم اغلاق الأبواب ، والحوار مع العالم الاسلامي وجهاً لوجه ، ما سيؤدي الى تحطيم المفاهيم الخاطئة ، وتحقيق أرضية مشتركة من التفاهم تسهم بفعالية في الحفاظ على السلم الدولي.

ردود الافعال في الصحافة المحلية:
• زاوية رأينا(الرأي23/7/2008): لا يتحدث زعيم في منطقة الشرق الاوسط بل وفي العالم أجمع بمثل الصراحة والوضوح والقراءة الدقيقة التي يتحدث بها جلالة الملك عبدالله الثاني وعلى الارض الاميركية مذكرا البيت الابيض بمسؤولياته وطارحاً المخاطر والتداعيات التي تتربص بالمنطقة كما بمصداقية الدبلوماسية الاميركية، لأن السلام يحتاج الى عمل على الارض اضافة الى العمل على طاولات المفاوضات، ما يتطلب عملاً مشتركاً ومتواصلاً يجمع بين الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية اذا ما أريد خلق ظروف وأجواء ملائمة وجادة لتحقيق سلام تكتب له الديمومة ويحظى بدعم الشعوب.
• افتتاحية الدستور(الدستور23/7/2008): لم ينس قائد المسيرة وهو يحث المجتمع الدولي على ضرورة انقاذ العملية السلمية، الاشارة الى تداعياتها الخطيرة في حالة الفشل، والتي ستؤدي الى اضعاف قوى الاعتدال بالمنطقة ، وزيادة وتيرة التطرف، منوهاً بأن الفرصة قائمة لاحداث تغيير تاريخي، قائم على سلام عادل وشامل بين العرب واسرائيل، سلام يستند الى قرارات الشرعية الدولية ، والمبادرة العربية ، ومن شأنه أن يخفف من المعاناة الانسانية لشعوب المنطقة.
• زاوية رأينا(الرأي24/7/2008): جلالة الملك في مساعيه الدؤوبة والمتواصلة انما يؤكد للعالم اجمع وبخاصة عواصم القرار الدولي وفي مقدمتها واشنطن ان الوقت قد حان للانتقال الى دائرة الفعل الميداني لانه إن لم تظهر لعملية السلام بعض المكاسب على الارض فإن قوى التطرف ستواصل اندفاعها لابعاد المنطقة عن الاعتدال.
• افتتاحية الدستور(الدستور24/7/2008): ان الحراك السياسي الذي تشهده المنطقة ، وتبذل فيه الدبلوماسية الاردنية بقيادة جلالة الملك جهودا ملموسة لانقاذ العملية السلمية ، والتي اصيبت بالشلل ، بفعل الاستيطان الاسرائيلي وادانة المجتمع الدولي ، لهذه الاجراءات العدوانية ، كما تمثل في تصريحات رئيس وزراء بريطانيا ، ومطالبة الجميع بوقف الاستيطان والالتزام بقيام دولة فلسطينية ، كل ذلك واكثر منه يؤكد ان الاردن وبقيادته الملتزمة بقضايا الامة حريصة على رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
• علي الصفدي (الدستور24/7/2008): لقد وضع جلالة الملك الأطراف المعنية بتحقيق السلام أمام مسؤولياتها التاريخية فدعا الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى مساعدة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على تحقيق دفع باتجاه السلام والعمل على إقامة الدولة الفلسطينية وفق حل الدولتين الذي يتيح لإسرائيل القبول في العالم الإسلامي بدوله السبع والخمسين التي تشكل ثلث أعضاء منظمة الأمم المتحدة ، مؤكداً استطاعة الولايات المتحدة أن تفعل الكثير من أجل السلام وأن تحقق اختراقاً تاريخياً في عملية السلام لإثبات مصداقية أقوالها حول العدالة والشراكة ، وإلا فإن نفوذها ومصداقيتها سيتقلصان بصورة دراماتيكية ، كما حث إسرائيل على اغتنام فرصة حل الدولتين، والسير قدماً نحو تحقيقها بالتخلي عن سياسة القلعة ووقف الاستيطان وإلغاء حواجز الطرق وإعادة الأطفال إلى مدارسهم والتحول بالمفاوضات من موائد الحوار إلى العمل الجاد الملموس على أرض الواقع.
• د.فايز الحوراني(العرب اليوم24/7/2008): أحاديث الملك عبدالله الثاني في مختلف المناسبات عززت الحضور العربي والاردني على وجه خاص في المحافل الدولية والاقليمية وكانت كلمة جلالته في معهد اسبن بولاية كولورادو الاميركية قد حملت الى المجتمع الاميركي أوضح رسالة خصوصا عندما ربط العلاقة بين مصداقية الولايات المتحدة الاميركية وخيبة الامل لدى المنطقة ضمن مسارات التسوية وهدف السلام الشامل والعادل، وتفرض هذه الرسالة على الاعلام ان يرتقي الى المستوى المعاصر المطلوب على صعيد الترجمة المستمرة لحضور الموقف الاردني والعربي الرسمي في المجال العالمي والتوعية الداخلية التي تتعزز في مناخ الحرية المسؤولة وتطوير المهنية كما وردت في توجيهات الملك وحرصه على بناء اعلام معاصر.


خاتمــــــة
 كان خطاب جلالة الملك الشامل الذي القاه في معهد اسبن في ولاية كولورادو الاميركية واضحا ومستندا الى قراءة اردنية عميقة ودقيقة للمشهد الاقليمي، اراد جلالته ان يلفت انظار الجميع الى مسألة آن لهم ان يدركوها جيدا؛ وهي ان تحقيق السلام والازدهار في الشرق الاوسط عنصر أساسي من أجل ترسيخ التقدم في العالم أجمع، الأمر الذي اراد جلالته ان يقول من خلال هذه الحقيقة ان الفرصة لم تستنفد بعد في الشرق الاوسط وانها ما تزال متاحة لتحقيق سلام بين العرب واسرائيل، يتيح المجال للتقدم وتحقيق الازدهار في المنطقة ويرسي قاعدة لمستويات جديدة من التعاون بين العالم الاسلامي والغرب..
وقد شكل خطاب جلالة الملك فرصة متجددة لاعادة التأكيد على القراءة الأردنية والعربية للصراع في المنطقة وفي الآن ذاته اشهار دعوة جلالته الى بدء حوار بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط والعالم الاسلامي، بهدف ازالة المفاهيم الخاطئة ومساعدة الناس على اكتشاف الارضية المشتركة فيما بينهم، بعد ان كادت الأمور ان تختلط ويتعمق سوء الفهم الذي اسهم كثيرون في ابرازه على غير حقيقته ولا سبيل لكشفه سوى الحوار والمناقشات المفتوحة.
كما لا تساور الدبلوماسية الأردنية التي يقودها جلالة الملك شخصياً أية أوهام فيما يتعلق بالشروط او البديهيات التي تحتاجها عملية السلام كي تخرج من حالة الغيبوبة التي تعيشها او الارتهان لخطاب المتطرفين وانصار ارض اسرائيل الكامل ودعاة الاستيطان وتقطيع اوصال الضفة الغربية المحتلة...

نبذة عن معهد أسبن للدراسات الانسانية :
يهدف معهد اسبن إلى تزويد قادة المجتمع السياسي الأمريكي بالمقومات الفكرية الكافية لخلق سياسات سليمة وراسخة. ولم يبدأ المعهد رحلته في عالم الأبحاث من منظور سياسي تام، بل دخل المجتمع الأمريكي كنافذة فكرية تهدف لتنمية القدرات الثقافية بكل أنواعها داخل الدوائر القيادية بكافة قطاعات المجتمع سواء السياسية، والاقتصادية، والعلمية، والفنية، والاجتماعية. وتلك الرسالة الفريدة من نوعها منعكسة في مصطلح "الإنسانية" في لقب المنظمة.
أنشئ معهد أسبن عام 1950 بمعرفة رجل أعمال مشهور يدعى والتر بابك Walter Paepcke وكان رئيس شركة كونتينر الأمريكية Container Corporation of America. ويقال أن بابك له الفضل الأعظم في تحويل مدينة أسبن من مجرد مدينة صغيرة إلى منتزه سياحي ومنتدى ثقافي وسياسي، وذلك من خلال تأسيسه لمؤسسة أسبن علاوة على المشاريع التجارية التي أقامها في مدينة أسبن. وكانت جهود المؤسسة في البداية متركزة في مجال الفن، ومع الوقت امتدت نشاطات المعهد للمجالات المتنوعة مثل الصحة والتطور التكنولوجي والأدب. ومن المعروف أن معهد أسبن لعب دورا كبيرا في عهد السبعينيات في استخراج قرار الـFCC أي مجلس الاتصالات الفيدرالي- وهي الهيئة المسئولة عن البث التلفزيوني القومي بالولايات المتحدة- ببث المناظرات العامة بين مرشحي الرئاسة الأمريكية في فترة الحملات الانتخابية على الهواء مباشرة بالقنوات التليفزيونية القومية. وكانت بداية برامج الأبحاث الخاصة بالسياسة العالمية عام 1974، وتطورت هذه البرامج حتى إنشاء مجموعة أسبن الإستراتجية Aspen Strategy Group عام 1984، وهي تمثل الهيئة الأساسية التي تتعامل مع الموضوعات المتعلقة بالسياسة الأمريكية الخارجية. ومن الجدير بالذكر أن الرئيس بوش الأب أدلى بخطاب تاريخي عام 1990 في الاحتفال بالذكرى الأربعين لإنشاء المعهد وطرح من خلاله رؤيته لمستقبل الجهود الجماعية للمجتمع الدولي بعد انتهاء الخطر السوفييتي والغزو العراقي للكويت في نفس هذا العام.
واستضاف معهد أسبن مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية في أواخر التسعينيات في منتجع واي ريفر.
وتعمل المجموعة الإستراتيجية للشرق الأوسط على خلق بيئة ملائمة للحوار السلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين وذلك بواسطة إنشاء مشاريع داعمة للنمو الاقتصادي والثقافي بالأراضي الفلسطينية وتقوية القطاع الخاص الفلسطيني. وقد قامت المجموعة بإنشاء مشروع لإقامة متحف لحفظ الآثار التاريخية بقطاع غزة. كما تعمل المجموعة لإقامة صندوق لمنح قروض للمشاريع التجارية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، كما دعمت المجموعة مشروعا لإقامة مستشفى بقطاع غزة.
إلى جانب ذلك يستضيف المعهد ملتقى هاما يجمع مجموعة مميزة من الصحفيين والمحررين وأساتذة الإعلام الأمريكيين والعرب من أجل التحاور والتشاور حول القضايا المشتركة.
 
إعداد أمل رضوان - مديرية الصحافة المحلية  .