البؤر الاستيطانية

 وتعثر عملية السلام 
 

    استعمار إحلالي
الاستعمار الاستيطاني هو انتقال كتلة بشرية من مكانها وزمانها إلى مكان وزمان آخرين ، حيث تقوم الكتلة الواحدة بإبادة السكان الأصليين
أو طردهم أو استعبادهم، أو خليط من كل هذه الأمور . وهو ما بات يعرف " بالاستيطان الاحلالي " .

والحركة الصهيونية تنطلق وفق المفهوم السابق من أن اليهود شعب واحد بلا أرض ، وان فلسطين أرض بلا شعب ، ومن ثم ترى الحركة أن فلسطين هي المسرح الذي يتحقق فيه المشروع الصهيوني ، ويمكن القول أن الأهداف والسمات الأساسية للاستيطان الصهيوني هي أن تحل الكتلة البشرية اليهودية محل السكان الأصليين ، فهو استعمار إحلالي ، واحلاليته هي سمته الأولى والأساسية. كما وينظر إلى الاستيطان في إسرائيل ليس باعتباره هدفاً بحد ذاته وإنما هو وسيلة الاستيلاء السياسي على فلسطين ، أي أنها العنصر الأساسي الثابت في الإستراتيجية الصهيونية ، لذا فإن بن غوريون عرف الصهيونية بأنها " الاستيطان ".

والمستوطنون الإسرائيليون ، البالغ عددهم (300.000) شخص عدا مستوطني القدس الشرقية ليسوا في مجملهم مجموعة متجانسة ، عكس ما يشاع عنهم فمعظمهم ليسوا متدينين ولا هم بالضرورة وطنيين، ولكنهم مهاجرون جاؤوا لأسباب اقتصادية أو اجتماعية وسكنوا في هذه التجمعات بسبب الحوافز التي تقدمها لهم الحكومة الإسرائيلية ، وقد أظهر استطلاع للرأي نظمه مركز الدراسات والأبحاث الفلسطيني في شهر حزيران (2007) أن (42%) من المستوطنين قالوا إن دافعهم الأساسي كان اقتصادياً، بينما قال (27%) منهم إن دافعهم كان دينياً عقائدياً، فيما (24%) منهم ولدوا في المستوطنات أو جاؤوا إليها للانضمام إلى العائلة أو أصدقائها .

أما بالنسبة لآرائهم السياسية، فإن المستوطنين متعصبون أكثر من بقية السكان ، فلا يؤيدون حزب العمل أو حزب ميرتس ، بل يدعمون الأحزاب الدينية مثل مفدال .

مبررات الاستيطان :
يمكن تحديد أهداف الاستيطان الصهيوني في الأراضي المحتلة بعد عام (1967) بما يلي :
- خلق حقائق جديدة على ارض الواقع بحيث تصبح العودة إلى حدود عام (1967) مستحيلة أو على اقل تقدير تزيد الأمور تعقيداً وتضعف فرص قيام دولة فلسطينية في المناطق .
- تهيئة الفرصة لوجود عسكري إسرائيلي سواء من خلال قوات الجيش الرئيسة أو عن طريق الاستعانة بمستوطنين مسلحين يتبعون هذه القوات أو باستخدام وحدات من جيش الاحتلال يتم نشرها .
- أن تكون المستوطنات رأس جسر لكسب مزيد من الأرض من خلال نزع الملكية أو سبل أخرى أكثر دهاء مثل إزالة المزروعات واقتلاع الأشجار كما يحدث هذه الأيام من اقتلاع لأشجار الزيتون وفي موسم القطاف .
ونتيجة لهذه العوامل الثلاثة تتركز المستوطنات في المناطق الثلاث التالية :
- على طول غور الأردن كجدار امني يفصل الضفة الغربية عن الأردن.
- على طول الخط الأخضر ، حدود (1967)، وعلى مسافة قريبة من مدن كبيرة .
- حول مدينة القدس بحيث تفصلها عن بقية الضفة الغربية وتحافظ عليها كعاصمة موحدة لدولة إسرائيل .
لقد جاءت المحصلة الاستيطانية منسجمة مع جوهر الإستراتيجية الاستيطانية الصهيونية من جهة الانتشار حيث غطت المستوطنات مختلف أنحاء الأراضي العربية المحتلة بهدف إحكام السيطرة عليها ، فأقيمت مستوطنات لا مبرر امنياً لها ولا جدوى اقتصادية ، مثل المستوطنات التي نشرها الليكود في سائر أنحاء الضفة الغربية خارج مناطق الأمن .


توسيع البؤر الاستيطانية
بدأ تأسيس المستوطنات من جانب إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة مباشرة بعد حرب (1967)، غير أن هذه الحركة ما لبثت أن توسعت وانتشرت بشكل كبير إبان حكومة الليكودي مناحيم بيغن سنة (1977)، حيث تمثل فترة انتخابه رئيساً للوزراء صفحة جديدة لمشروع الاستيطان الإسرائيلي للضفة الغربية، ليزداد في عهده عدد المستوطنين من (4.000) إلى (10.000) مستوطن، وخلال العقود اللاحقة، استجاب لدعوة بيغن العديد من اليهود في العالم بالقدوم إلى فلسطين لأهداف تتصل بالدرجة الأولى في رغبتهم بتحسين نوعية حياتهم بالإضافة إلى تشجيع رجال الدين ليصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية وغور الأردن الآن إلى (300.000) مستوطن، وفق إحصائية صادرة عن منظمة (السلام الآن) الإسرائيلية شهر نيسان (2008)، ولا يشمل هذا العدد المستوطنين في القدس الشرقية .


وكان دعم وتشجيع الاستيطان سياسة ثابتة واصلت حكومات الحزبين " الليكود " و " العمل" دعمها وسمحت بإقامة مستوطنات جديدة منتهكة بذلك اتفاقات أوسلو بشكل صريح وواضح، والتي نصت في مادتها (31) فقرة (7) على : " لا يسمح لأي من الطرفين أخذ أية خطوات من شأنها تغيير وضع الضفة الغربية وقطاع غزة التي تنتظر مفاوضات الحل النهائي" .

وخلال توليه رئاسة الحكومة الإسرائيلية ( 1996- 1999 ) اعتبر نتنياهو المستوطنات "مناطق أولوية قومية لليهود" .وبدأ البناء في جبل أبو غنيم، وتابع ايهود باراك سياسة دعم المستوطنين فقام ببناء مستوطنة أخرى شمال شرق القدس وأوضح بيان لحركة (السلام الآن) الإسرائيلية أن المستوطنين في هذا التجمع الاستعماري الجديد تسلموا (1%) من الميزانية العامة للدولة .

وكانت إسرائيل تعهدت بوقف التوسع الاستيطاني في مؤتمر انابوليس الذي أطلق مفاوضات الوضع النهائي مع الفلسطينيين، إلا انه ومنذ انتخابه رئيساً للوزراء وإعلانه سعيه إنهاء الحكم الإسرائيلي على الفلسطينيين قام اولمرت وفي تناقض صارخ مع ما قاله بترسيخ وتعميق سياسة الاستيطان في عهده، بل ويترأس رسم سياسات الاستيطان التي تستمر في الزحف الاستيطاني لضم ما تبقى من الأرض. وقد كشفت صحيفة (معاريف) الإسرائيلية في عددها (25/10/2008) انه رغم تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل ايهود اولمرت بوقف الاستيطان
في الضفة الغربية، إلا أن (15) ألف يهودي انتقلوا للعيش في المستوطنات منذ مطلع العام ، وأوضحت الصحيفة انه قد تم بناء
مئات الوحدات السكنية بالإضافة إلى (400) منزل متنقل، حيث أن المستوطنين يقومون بنقل المنازل المتنقلة وهي مفككة وليتم بناؤها داخل المستوطنات .

ونقلت صحيفة ( الشرق الأوسط اللندنية 17/8/2008) عن مدير مجلس المستوطنات في الضفة الغربية " بنحاس فالرشتين تباهيه " بانجازاته" قائلاً: " رغم أن هذه الحكومة هي الأكثر عداء للاستيطان، ومع ذلك نجحنا في أن نبني في فترة عهدها عدداً من الوحدات السكنية
لا يقل عما بنيناه في عهد حكومات أخرى " . وأشار فالرشتين إلى أن عدد المستوطنين ازداد في عهد اولمرت بخمسين ألف مستوطن ، مؤكداً أن المستوطنين استطاعوا التغلب على العراقيل التي تضعها الحكومة لوقف الاستيطان .

وهذا الكلام يتوافق في المحصلة مع حيثيات التقرير الذي أصدرته حركة (السلام الآن) اليسارية في إسرائيل (26/8/2008) والذي كشف أن أعمال البناء في المستوطنات اليهودية قد تضاعفت في النصف الأول من العام الحالي مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي . وجاء في التقرير الذي وزع على وسائل الإعلام الإسرائيلية، انه في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي تم الشروع في بناء أكثر من ألف مبنى وفيها حوالي الفين وستمائة وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية. وأشارت معطيات الدائرة المركزية للإحصاء إلى أن عملية البناء في المستوطنات تضاعفت بـ (1.8) مرة بالمقارنة مع الفترة الموازية من العام الماضي حيث تم بناء (433) وحدة سكنية في الفترة الممتدة من كانون الثاني – أيار من العام الحالي (2008 ) في حين تم بناء (240) وحدة سكنية في الفترة ذاتها من العام (2007) .


الموقف الأردني
ينطلق الموقف الأردني من قضية الاستيطان من أسس سياسية وفكرية وإنسانية ثابتة، فكرتها المركزية تنبع من أن السلام والاستيطان
لا يلتقيان، وان فرص خيار التسوية في المنطقة لا زالت قائمة لتضع حداً لهذا الصراع الدموي الطويل ويجب اغتنام هذه الفرص والعمل
على تطويرها ومراكمتها لإخراج الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي
إضافة إلى دول المنطقة وشعوبها من دوامة العنف والإرهاب وعدم الاستقرار.

إن عجلة التاريخ لا يمكن أن تعود إلى الوراء، وان سياسة
الأمر الواقع التي تمارسها الحكومات الإسرائيلية من خلال تعاملها مع ملف الاستيطان لم تعد قابلة للتداول في هذا العصر الذي انفتح فيه العالم على بعضه البعض ولم يعد بالإمكان الاستمرار في لعبة شراء الوقت والتضليل وحرمان الشعوب حقها في تقرير مصيرها .

ولطالما حذر جلالة الملك عبدالله الثاني والحكومة الأردنية من استمرار الاستيطان الإسرائيلي باعتباره عملاً غير مشروع ويهدد عملية السلام. وكان آخر هذه التحذيرات اثناء استقبال جلالة الملك ممثل السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي خافير سولانا بعمان الشهر الماضي، حيث شدد جلالته على أهمية دعم السلطة الفلسطينية لتحسين المستوى المعيشي للفلسطينيين، كما حذر جلالته من استمرار الاستيطان وتغيير معالم القدس باعتبار ذلك من شأنه أن يقوض عملية السلام . وكانت مسالة الاستيطان حاضرة كذلك في جولة جلالته الأخيرة لأمريكا الجنوبية حيث أكد جلالته ضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي تعيد الحقوق للشعب الفلسطيني وتكون قابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية .

وللحكومة الأردنية كذلك موقفها الواضح ازاء هذه القضية
وما انفكت سواء في اللقاءات المحلية مع مسؤولين عالميين أو الإعلان في المنتديات الدولية عن التصريح بموقف الأردن الثابت باعتبار الاستيطان في القدس والضفة الغربية وغور الأردن عملاً غير مشروع ، ويهدد عملية السلام في الشرق الأوسط . ونذكر بهذا الخصوص موقف الأردن التاريخي باللجوء إلى محكمة العدل الدولية لإصدار قرار بوقف بناء جدار الفصل العنصري، حيث أصدرت المحكمة قراراً مؤيداً لهذه المطالبة .


 
إعداد :نبال الخماش

  تشرين أول 2008