آفــــــاق زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني التاريخية الى العراق
تؤكد زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني الى العراق في الحادي عشر من آب عام
2008 والتي تعتبر الاولى لزعيم عربي بعد سقوط النظام العراقي عام 2003 على
ان امن العراق واستقراره هو جزء من أمن واستقرار الاردن ، ، فقد حرص جلالته
وهو يفتح ابواب العلاقات بين البلدين على التأكيد على موقف الاردن الثابت
بتحقيق المصالحة الوطنية بين جميع اطياف الشعب العراقي، كما انها جاءت
كرسالة الى جميع الدول العربية لمد يد العون والمساعدة لاخراج الاشقاء
العراقيين من الاوضاع الصعبة التي يعيشون والتي انعكست بصورة مباشرة على
دول الجوار .
ان العلاقات الاردنية العراقية على المستويين الشعبي والرسمي - ذات خصوصية
وتميز - حيث يتداخل فيها التاريخ والجغرافيا مع السياسة حيث كان العراق في
يوم من الايام عصب الاقتصاد الاردني بينما كانت عمان الرئة التي تتنفس منها
بغداد لذلك جاءت زيارة جلالته لتؤكد عمق العلاقة الاستراتيجية بين البلدين
الشقيقين .
أهم محاور المباحثات الأردنية العراقية
تناولت مباحثات جلالة الملك عبد الله الثاني مع رئيس الوزراء العراقي نوري
المالكي ونائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي أهم المحاور التالية :
1- حرص جلالة الملك على دعم امن واستقرار العراق الذي يعتبره جزء اساسي من
أمن واستقرا ر الامة العربية .
2- التأكيد على توحيد العراقيين بكافة اطيافهم السياسية من سنة وشيعة
وأكراد ورص صفوفهم .
3- اعتبر جلالته أن الخطوة الاخيرة التي قام بها الاردن بتعيين سفير
للمملكة في العراق هي الدفعة القوية على طريق تطوير العلاقات مع العراق
الشقيق .
4- أكد جلالته على أهمية ان تتبع زيارته زيارات بين المسؤولين في البلدين
لبحث اليات توطيد العلاقات في مختلف الميادين بما يخدم المصالح العليا
للبلدين .
5- ضرورة تشجيع القطاع الخاص في البلدين لاكتشاف فرص التعاون والقيام
بمشاريع مشتركة حيث بين جلالته أهمية البناء على نتائج اجتماعات اللجنة
الاردنية العراقية العليا اضافة الى تعزيز فرص التعاون في المجالات
الاقتصادية والتجارية القائمة .
6- تزويد العراق بجزء من احتياجات الاردن النفطية .
أهمية الزيارة على المستوى الأردني السياسي والاقتصادي
جاءت المحادثات بين جلالة الملك ورئيس الوزراء العراقي لتعكس البعدين
السياسي والاقتصادي بين بلدين ارتبطا ببعضهما البعض بعلاقات استراتيجية .
فعلى الصعيد السياسي : اعتبر
محللون سياسيون أن الزيارة الملكية الى العراق تتعدى اهميتها تعزيز
العلاقات الثنائية بين البلدين لتشمل السعي الى اعادة العراق الى المنظومة
العربية ليكون عنصراً فاعلاً فيها بعد غيابه عنها لسنوات وتركه للتجاذبات
الدولية والاقليمية ويرى البعض أن الاردن اتخذ قراراً استراتيجياً بفتح
علاقة جديدة مع الحكومة العراقية التي تفيد بان بغداد بدأت بأخذ زمام
الامور في موضوع الامن الى جانب المؤشرات التي تدلل على جدولة الانسحاب
الامريكي من العراق مما يحتم على الاردن التعامل مع الحكومة العراقية بشكل
مباشر لضمان المصالح الاردنية .
كما تعطي الزيارة شرعية للحكومة العراقية فهي خطوة سياسية كبيرة جداً تحمل
معنى سياسياً كبيراً ينطوي على العديد من المحاور ، حيث جاءت لتعطي اهمية
للوجود الدبلوماسي العربي من حيث الزيارات او التمثيل الدبلوماسي وضرورة
وجود سفراء عرب في بغداد حيث التواصل معها يعد مصلحة استراتيجية عربية وان
الاختراق الايجابي الاردني سيشجع دولاً عربية على فتح الاجواء مع العراق
حيث ان مكانة جلالة الملك المميزة لدى القادة العرب لا سيما دول الخليج
ستساعد في فك عزلة الحكومة العراقية وستكون هناك فرصة لمناقشة قضية
المعتقلين الاردنيين في السجون العراقية .
اما على الصعيد الاقتصادي :
فقد كانت الزيارة مهمة لغايات مناقشة ملفات اقتصادية مثل النفط والديون
ودخول رجال الاعمال الاردنيين في برامج اعادة اعمار العراق ، حيث وعدت
الحكومة بتسهيل تدفق امدادات النفط طبعاً لبروتوكول جدده البلدان قبل شهرين
لثلاث سنوات قادمة بعد أن ظل مجمداً منذ ابرامه عام 2006 مع الموافقة على
مقدار الخصم الممنوح على نفط خام كركوك الذي سيتم بيعه للمملكة ليصبح
بمقدار 22 دولار للبرميل بدلاً من 18 دولار أقل من سعر نفط خام برنت وهو ما
يبعث الامل باستيراد النفط العراقي وفق الاتفاقية التي ابرمها الطرفان
لتخفيف فاتورة الطاقة التي انهكت الاقتصاد .
أهمية الزيارة على المستوى العراقي
أكد سياسيون عراقيون مقيمون في الاردن على ان زيارة جلالته الى بغداد شكلت
انعطافة هامة على طريق عودة العراق الجديد الى الحضن العربي ، وان الاردن
بقيادته الهاشمية هو الدولة الوحيدة القادرة على لعب دور محوري لارساء
دعائم المصالحة الوطنية بين مكونات الشعب العراقي ، وان الاردن سيبقى الرئة
التي يتنفس منها كل العراقيين على اختلاف مكوناتهم من شيعة وسنة وأكراد وان
الزيارة جاءت لتتوج العلاقات المتميزة التي تربط بين البلدين في شتى
المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية .
ردود الفعل على الزيارة الملكية لبغداد
ثمنت الفعاليات الرسمية والاقتصادية والصحفية الزيارة التاريخية لجلالة
الملك الى العراق لما حملته من أهمية سياسية واقتصادية بالاضافة الى
ابعادها ومعانيها فيما يتعلق بالوضع العراقي فقد اعتبر سمير الحباشنة وزير
الداخلية الاسبق ان خطوة جلالته تعتبر وثبة هاشمية دلالتها كبيرة على رأسها
ان الاردن معني بالعراق وشعبه ووحدة اراضيه واستقراره .
وأيده رئيس لجنة الشؤون العربية والدول النيابية النائب محمد ابو هديب
مشيراً الى أن بأن هذه الزيارة التاريخية هي اول زيارة لزعيم عربي الى
العراق في ظل الظروف الجديدة وأن الاردن لا يمكن ان يكون بعيداً عن اشقائه
العرب مهما كانت ظروفهم خصوصاً مع دولة بأهمية العراق بالنسبة الى الاردن
الذي يرى في العراق عمقه الاستراتيجي .
في حين اعتبر العين حيدر مراد رئيس غرفة تجارة الاردن ان الزيارة جاءت في
وقتها لتحريك العملية التجارية والاقتصادية بين الاردن والعراق .
كما توالت ردود الفعل الصحفية على الزيارة التاريخية لجلالته .
فقد أكد د. نبيل الشريف (الدستور 12/8/2008 ) على أن جلالة الملك سجل من
خلال زيارته التاريخية الى بغداد فصلاً جديداً من فصول الخطاب الاردني
المنسجم مع نفسه الموحد في طروحاته ، فقد وقف الاردن دائماً الى جانب وحدة
العراق ارضاً وشعباً ، وعبر عن حرصه على دعم امن واستقرار العراق مع
المحافظة على مسافة واحدة من كل مكونات الشعب العراقي الشقيق .. هذا هو
موقف الاردن الثابت الذي أكده جلالة الملك في كل المحافل والمنابر طوال
السنوات الماضية .. وهذا هو نفس الموقف الذي اشار اليه جلالته في زيارته
الى عاصمة الرشيد بعد المباحثات التي اجراها مع المسؤولين العراقيين .
وشاركه الرأي نزيه القسوس (الدستور 12/8/2008 ) بقوله : لقد كان الهاشميون
دائماً مع أمتهم في كل الظروف والاحوال وسيسجل التاريخ لهم لانهم لم يخذلوا
ابداً هذه الامة وقدموا الشهداء والتضحيات من أجل ذلك ، لذلك فمن الصعب على
جلالة الملك ان لا يكون مع شعبنا في العراق وان لا يقف مع الاشقاء هناك
يتحدث معهم ويؤازرهم .
كما اشار سلطان الحطاب الرأي (12/8/2008) الى أن الحادي عشر من آب من عام
2008 سيكون يوماً تاريخياً سيظل يذكره الأردنيون والعراقيون والعرب وسيظل
علامة فارقة تشير الى ادراك الأردن لأهمية البعد العربي في العراق وضرورة
اسناده، داعياً ان تكون هذه الزيارة الملكية الميمونة فاتحة لعلاقات عربية
عراقية تدشن طريق القادة العرب الى بغداد ليكتمل قمر بغداد الذي غاب طويلاً
واحتجب وراء الدم والقتل والفوضى والعدوان الاحتلال.
واعتبر جميل النمري ( الغد 12/8/2008) ان التعاون والتكامل في عدة ميادين
من الامن الى الاقتصاد وحركة الناس والبضائع ستأخذ دفعة جديدة تبني على ما
حققته الزيارة وأما الملف الذي ينتظره الاردنيون على احر من الجمر والرغبة
في تحقيق تقدم فيه فهو نقل النفط العراقي الى الاردن ، فالاتفاقية لم تفعّل
بسبب مشكلات على الجانب العراقي وليس الاردني وربما يكون الامن هو المشكلة
الابرز ، لكن بشيء من العزيمة يمكن معالجة هذا الجانب ايضاً ونتوقع ان تبذل
الحكومة العراقية جهداً جاداً الآن من أجل ان نرى النفط العراقي يعود كما
كان ذات يوم .
في حين يرى ماهر ابو طير ( الدستور 13/8/2008) ان القصة ليست قصة مصالح
اردنية وحسب ، واذا كان البعض يفكر في النفط ، فالملك والدولة لا تدير
علاقاتها ، على هذا الاساس ، فاذا اخذنا نفطاً عراقياً شكرنا ، واذا لم
نأخذ انتقدنا ، والعلاقات بين الدول لها قياسات ابعد مدى ، فشعب العراق ،
منا ونحن منه ، والعلاقات مع البعض تنعكس على الناس اولاً ، وعلى شعب واحد
يعيش في الهلال الخصيب ، حتى لا يبقى البعض يعتقد ان القصة هي قصة براميل
مخفضة السعر ، وللعراق مواقف لا تنسى تاريخياً ، كما للاردن ذات المواقف
تجاه العراق في ظروفه الصعبة التي مر بها ، واذا كانت مصالح الاردن ، هامة
وفوق أي اعتبار ، فمن حقنا من جهة أخرى ، ان نأمل ان تكون العلاقات نافعة
ومثمرة على الشعبين .
خاتمــــــــــــــــــــــــــة
تعتبر زيارة جلالة الملك عبد الثاني الى العراق هي الاولى من نوعها لزعيم
عربي بعد سقوط النظام العراقي عام 2003 والتي حملت العديد من الدلالات
السياسية وان كانت هناك علاقة خاصة وروابط قوية ووحدة في المكونات النفسية
والوجدانية تربط الاردن بالعراق بالاضافة الى علاقة حسن الجوار بين البلدين
، حيث كانت أهم أولويات السياسة الخارجية الاردنية الوقوف الى جانب الاشقاء
العرب مهما كانت الظروف.
فجلالته الزعيم العربي الاول الذي يصل الى بغداد ليشعل شمعة ويفتح الطريق
ويمد يد الدعم لبلد عاش المعاناة والالم والقهر فها هي الاردن تستضيف آلاف
الاشقاء العراقيين وتقاسمهم لقمة العيش .
وبهذا تكون زيارة جلالته قد جلبت المنافع للبلدين الشقيقين فالعراق دولة
نفطية مهمة وللاردن مصلحة كبيرة في تعزيز التعاون في مجال استيراد النفط
منها ، وبالنسبة للعراق فقد نجحت الزيارة في تعزيز الحضور والدور العربي في
العراق والتي تفتح الباب امام المزيد من التواصل معها .
إعداد
بنان العوض .