الاتحاد من اجل المتوسط ..هيمنة أم تكامل ؟ 

تمهيـــــــد :

بأشكال متعددة وتحت مسميات مختلفة تبرز بين فترة وأخرى مشاريع أوروبية تحت شعارات متعددة يدور مضمونها حول علاقات التعاون والتكامل بين ضفتي المتوسط ، بدءاً من الحوار العربي الأوروبي الذي تزامن إطلاقه في سبعينيات القرن المنصرم مروراً بما يعرف
بـ " مسار برشلونة " أواسط التسعينيات إضافة إلى مقاربة (25+10) أي كل دول الاتحاد الأوروبي زائد عشر دول متوسطية جنوبا ، إلى (6+6) أي الدول الأوروبية المتوسطية في الحوض الغربي زائداً الدول الأعضاء في اتحاد المغرب العربي .
أما اليوم، وتحديداً في الثالث عشر من شهر تموز الماضي ، فقد أعلن في العاصمة الفرنسية باريس عن ميلاد ما أصبح يعرف
بـ " الاتحاد من أجل المتوسط " بحضور رؤساء دول وحكومات البلدان السبعة والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ، مرفقا مع هذه الدول أربع دول من دول البلقان ( ألبانيا، والجبل الأسود، والبوسنة،
وكرواتيا ) إضافة إلى الدول العربية في شرق المتوسط وجنوبه ،عدا ليبيا، وكذلك بمشاركة تركيا.
وقد أثار الإعلان عن مشروع الاتحاد العديد من التساؤلات حول أبعاده وماهيته وأهدافه ، وفيما إذا كان اعتباره نافذة جديدة للتطبيع مع إسرائيل ؟ ، وما هي إمكانية نجاحه ؟.

أهداف المشروع
كانت ولا تزال العلاقات بين دول شمال المتوسط وجنوبه مثار جدل واهتمام ، سواء من جانب الشمال الغني أو الجنوب الفقير ، إذ انه بالرغم من التباين بين الجانبين سياسياً واقتصادياً بل وثقافياً، إلا أن تلك الدول يضمها معاً حوض البحر المتوسط بما يعنيه ذلك من إمكانية إيجاد اطر تعاونية بين الجانبين للتصدي للتحديات المشتركة التي نص عليها مشروع الاتحاد والمتضمن:
- يؤكد المشروع على أن أمن القارة الأوروبية ودول جنوب المتوسط لا ينفصلان ، ومن ثم فان أوروبا لن تنعم بالاستقرار ما لم تشهد دول الجنوب الاستقرار ذاته .
- لم يكن البعد الاقتصادي غائباً عن أهداف المشروع وبخاصة قطاع النفط الذي أضحى يحظى باهتمام بالغ من جانب دول الاتحاد الأوروبي عموماً الذي دمج قضية أمن الطاقة ضمن السياسة الخارجية للاتحاد انطلاقاً مما تمثله تلك القضية من أهمية بالغة للدول الأوروبية عموماً .
- هناك رغبة أوروبية وتحديداً لدى الفرنسيين في إيجاد حل للدول التي ترغب في الانضمام للاتحاد الأوروبي وتواجه معارضة من جانب بعض أعضاء الاتحاد، ومنها تركيا .
- كذلك يسوق المشروع جملة أخرى مهمة من الأهداف ، أبرزها جعل المنطقة هي الأعلى في التنمية مع احتمال إنشاء بنك متوسطي للتنمية وتطوير العمل من أجل محاربة الإرهاب وتجارة المخدرات والرقيق والمهاجرين وجعل البحر المتوسط الأكثر نظافة في العالم من وجهة النظر البيئية، إضافة إلى جعل المنطقة ساحة للحوار والثقافات .
- يهدف المشروع إلى ضم إسرائيل في مشاريع إقليمية لتصبح واقعاً أمام الدول العربية التي ما زالت ترفض التطبيع مع الدولة العبرية وتناسي الصراع القائم مع الفلسطينيين، ويردد المسؤولون الفرنسيون في محاولة لإقناع الشعوب العربية بحجتهم أن أوروبا استطاعت تجاوز الخلافات والعداء فيما بينها من خلال بناء اتحاد اقتصادي قوي ، ولكنهم يتناسون أن أوروبا لم تقم الاتحاد الأوروبي إلا بعد انتهاء الحرب والتوقيع على اتفاقيات سلام .
شراكة أم هيمنة :
أثار مشروع " الاتحاد من اجل المتوسط " الكثير من الجدل ضمن تيارين متباينين، أولهما : يرى أن هذا المشروع هو أمر طبيعي بين دول تجمعها روابط سياسية وحضارية وأمنية مشتركة ، وثانيهما : يرى أن المشروع لم يأت بجديد إذ انه نسخة من مشروع يهدف إلى بسط الهيمنة الاستعمارية لدول غربية لا تتحرك إلا وفق منطلق عنصري واستعماري ولكن بوسائل جديدة . ويسوق التيار الثاني جملة من المخاوف والمحاذير المترتبة على هذا المشروع في حال كتب له النجاح ، وابرز هذه المخاوف :
- هناك مخاوف عربية من أن يكون مشروع الاتحاد مدخلاً نحو تطبيع مجاني مع إسرائيل وهو أمر بمثابة مأزق حقيقي للدول العربية أمام شعوبها وبخاصة في ظل الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة . ومن الواضح أن الدبلوماسية الفرنسية ومنذ دخول ساركوزي قصر الاليزيه تسعى فرنسا وبقوة إلى إدماج إسرائيل في المنطقة حتى قبل التوصل إلى سلام عادل وشامل في المنطقة . وقد تمكن الفرنسيون من تحقيق بعض النجاحات في هذا الاتجاه، كان أبرزها الحضور الإسرائيلي الملموس في قمة المتوسط . ولم يقتصر الأمر فقط على الحضور ، بل لقد تم الخضوع للضغوط الإسرائيلية باستبعاد جامعة الدول العربية باعتبارها مراقباً دائماً في الاتحاد، كما تم الخضوع لنفس الضغوط بتجنب تضمين البيان المؤسسي لهذا الاتحاد لصيغ واضحة ازاء الترسانة النووية الإسرائيلية .
- هناك قناعة راسخة لدى هذا التيار أن الاتحاد لن يكون
تمثيلاً صادقاً وواقعياً إزاء علاقات غير متساوية بين ضفتي المتوسط ، حيت يتمتع الشمال بكل مظاهر القوة والغنى فيما يرفل الجنوب بمظاهر الضعف والفقر ، وبالتالي فان العلاقة بين الطرفين ليست متساوية مما يعني أن تتجه الأعين الغربية إلى حيث تحكمها مصالحها واستثماراتها ، وليتحول الجنوب من جديد إلى مناطق نفوذ للدول الأوروبية .
- كذلك يأتي الشمال في هذا الاتحاد يحمل كل تاريخه من الوحدة التدريجية التي تحولت إلى كتلة اقتصادية ومالية كبيرة، لتتعامل مع جنوب ما زال يعاني من الانقسامات والصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين بلدانه ( الجزائر والمغرب / إسرائيل والفلسطينيين / سوريا ولبنان ) هذا عدا عن صراعات هذه الدول مع دول مجاورة ليست مشاركة في الاتحاد .
- وفي حال تم التجاوز عن التباين السياسي والاقتصادي بين الشمال والجنوب، فهناك كذلك تباين ثقافي وتباين في القيم بين الجانبين، وأن حجة استفادة دول الجنوب من هذا
الاتحاد ، لأن دول شماله الغني والمتقدم ستعمل على تزويد الجنوب بالمعرفة العلمية والتقنية وأنها ستأخذ بيد الطرف الجنوبي إلى مشارف العالم المتقدم هي حجة متفائلة
وساذجة ، لان هذه الحجج والمبررات هي ذاتها التي ساقتها الدول الغربية عند افتتاحها العصر الاستعماري . وأن هذه المنطلقات العنصرية والاستعمارية هي التي تحرك الدول الغربية الحديثة، وبدلاً من استخدام الأساطيل والمدافع والأسلحة ، تستخدم الآن السيطرة الاقتصادية واحتكار المعرفة والغزو الإعلامي .
حذر أوروبي
إذا كانت فكرة الاتحاد المتوسطي قد أحاطها الكثير من تحفظات دول جنوب البحر المتوسط ، فقد طغت على السطح جملة من المحاذير والمخاوف من جهة دول كبرى في الاتحاد الأوروبي ذاته وفي مقدمتها ألمانيا التي اعتبرت أن المبادرة الساركوزية ترمي بالأساس إلى تنمية نفوذ فرنسا عن طريق انفتاحها على الجنوب المتوسطي. كما أعربت ألمانيا على لسان المستشارة ميركل وبشكل صريح عن رفضها للمبادرة الفرنسية باعتبارها تقسم أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى متوسطيين وغير
متوسطيين . كما أشارت إلى مخاوفها من توريط الاتحاد الأوروبي في عمليات تمويل لا يريدها ولا تنسجم مع تطلعاته الداخلية. كما أعربت ألمانيا عن قلقها من أن يؤدي المشروع الفرنسي إلى إضعاف مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية المعروف باسم برشلونة ، لذلك طالبت ميركل بان تنضم جميع دول الاتحاد الأوروبي إلى مشروع الاتحاد من اجل المتوسط وان يكون هدفه هو إحياء عملية برشلونة على أن تكون دول أوروبا السبع والعشرون دولة جزءاً من المشروع على أن تتم مناقشة كل عمليات التمويل من خلال المجلس الأوروبي وباقتراح من اللجنة الأوروبية .
ورأت ايطاليا واسبانيا في المشروع الفرنسي منافساً لاتحادهما ، في حين أعربت بعض الدول الأخرى خاصة دول أوروبا الشرقية التي انضمت حديثاً إلى الاتحاد الأوروبي عن مخاوفها من تبديد الموارد المالية للاتحاد على مشاريع متوسطية بينما دول الشرق في اشد الحاجة إليها للحاق بالتطور الاقتصادي الغربي . أما تركيا فقد رأت أن المشروع الفرنسي يسعى وبشكل غير معلن إلى تحييدها ومنعها من المطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، هذا الانضمام الذي كانت تشجعه ألمانيا بعكس فرنسا . وبالتالي فان اهتمام الأتراك كان منصباً على فكرة واحدة هو أن لا يكون الاتحاد المتوسطي إطاراً لتهريب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي .

الخاتمــــــة :
بإمكاننا القول بداية انه من حق الأوروبيين وغيرهم من الشعوب أن ينطلقوا في مشاريعهم ومخططاتهم مع دول وثقافات أخرى من منطلقات نابعة من مصلحتهم وتعظيم فوائدهم المترتبة على نجاح مثل هكذا مشاريع . إلا انه من الضروري والمهم كذلك أن يقدر الطرف الآخر ، وهم العرب في مشروع اتحاد المتوسط ، مصالحهم ويعملوا على إقرار ما يناسبهم ، اقتصاداً وسياسة وثقافة ، واستبعاد العكس ، فمن خلال التقاء المصالح تتعاظم الفائدة لكل الشركاء .
إلا أن هناك ومنذ البداية جملة من النقاط تسجل لصالح الدول الأوروبية تفوق بمجموعها النقاط التي يمكن تسجيلها للطرف
العربي ، أول هذه النقاط وأهمها أن دول الاتحاد الأوروبي التي تتكلم ثلاثاً وعشرين لغة مختلفة هي في الواقع متفاهمة ضمنا في المفاهيم والمصالح ورؤية المستقبل ، إلا أن الأمر مختلف تماماً بالنسبة للمجموعة العربية التي تتكلم نفس اللغة إلا أن الرؤى مختلفة ومشتتة ولا يوجد تفاهم حقيقي حول المصالح المشتركة .
ثاني هذه النقاط التي تسجل لصالح دول الشمال تكمن في الهوة العميقة التي تفصل بين ضفتي المتوسط ، حيث تمكن الشمال من تطوير اقتصاده وشراكته وبلغ في هذا المجال تطوراً لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنته مع دول الجنوب التي لا تزال تتقدم بسرعة بطيئة وبيروقراطيات ومستوى عال من الفساد .
إضافة إلى السببين الآنف ذكرهما هناك البيئة غير المتجانسة سياسيا في دول الجنوب بفضل نزاعات الصحراء الغربية والنزاع العربي – الإسرائيلي ، وقضية قبرص ، وإذا كان هناك كلام حالم حول توجه أوروبي لحل هذه النزاعات ، إلا أن الواقع يؤكد محدودية الدور الأوروبي وقدرته على المساهمة على حل تلك النزاعات لسبب بسيط وهو أن معظم صراعات دول الجنوب داخلة من الناحية العملية في إطار النفوذ الأمريكي الذي تتعارض رؤيته للترتيبات النهائية في المنطقة مع المنظور الأوروبي .
إن سماح الولايات المتحدة أو عدم سماحها لنجاح هذا المشروع ليس هو النقطة المهمة في نهاية المطاف ، بل جوهر المسألة يتعلق بسؤال حول حقيقة الدور العربي بشأن مشاريع التوحد والتكامل القادمة علينا من الخارج بعدما فشلت كل مشاريع التوحد والتكامل على الصعيد الداخلي .

 
إعداد نبال الخماش - رئيس قسم الدراسات  .