سلام الشرق الأوسط ...
وسباق الوقت

 

بعد مضي تسعة أشهر على استضافة الولايات المتحدة الأميركية لمؤتمر "انابوليس" للسلام في الشرق الأوسط، والذي حظي آنذاك باهتمام إعلامي كبير، وتعهدت فيه كافة الأطراف بالتوصل إلى تسوية للنزاع في الشرق الأوسط بنهاية عام (2008)، قدمت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس إلى المنطقة للدفع باتجاه الوصول إلى صفقة ما قبل انتهاء فترة ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش .

كانت مهمة وزيرة الخارجية الأميركية خلال زيارتها الأخيرة تتركز على نقطة واحدة وهي أنه من الضروري تجديد توصيات ما تم التوصل إليه في "انابوليس" العام الماضي ليكون بمثابة الانجاز الذي حققته الإدارة الجمهورية بالنسبة لازمة الشرق الأوسط المعقدة قبل أن ترحل في بدايات العام المقبل. وهذا ما أكدته الوزيرة الأميركية لمضيفيها الفلسطينيين والإسرائيليين من أن الوقت يمضي بسرعة وأنه لا بد من وضع النقاط على الحروف بالنسبة لقضايا رئيسة ومهمة كثيرة. وضع النقاط على الحروف بحسب ما كشف عنه مسؤولون فلسطينيون معناه وفق ما تضمنته وثيقة ما يعرف بـ " اتفاق الرف " لا يتعدى كونه أن إسرائيل تريد الآن وبأسرع ما أمكن وضع حد للخلاف حول قضايا الحل النهائي وبما ينهي إلى الأبد القضية الفلسطينية. وبغض النظر عن مسميات الوثيقة باعتبارها اتفاقية أو إطاراً للتفاوض فإن المطلوب إسرائيلياً
في نهاية المطاف إسقاط قضايا مثل القدس واللاجئين (حق العودة) والمستوطنات وحدود الـ (67) والتوقيع على وثائق من الجانب الفلسطيني تؤكد ذلك، ليتم الحديث آنذاك عن شكل ما للدولة الفلسطينية بمواصفات وشروط قد يسلبها معنى وحقيقة هذا الاسم .

مشروع اتفاق الرف
كشف الصحافي الإسرائيلي الوف بن في تقرير صحافي نشر في صحيفة هآرتس بتاريخ (11/8/2008) عن عرض قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت للرئيس الفلسطيني محمود عباس، يتضمن العرض مشروع مبادئ لما يسمى بـ " اتفاق الرف " حول التسوية الدائمة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي كما أن المشروع يضع أسس البنية التحتية للدولة الفلسطينية . أما ابرز المحاور الواردة في مسودة الاتفاق فهي :
1- ترسيم الحدود : بحيث تقوم إسرائيل بضم (7%) من مساحة الضفة الغربية إلى إسرائيل تشمل المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية مقابل قيام إسرائيل بتعويض الفلسطينيين بأرض بديلة يحث يتم إعطاؤهم (5,5)%) من الأراضي في النقب القريبة من قطاع غزة . وبشأن التواصل بين الضفة الغربية وغزة فإن المعبر الواصل بين الجانبين سيكون تحت السيادة الإسرائيلية . أما ترسيم الحدود بين الدولتين فسيكون على أساس مسار جدار الفصل.
2- التسوية الأمنية: أكدت مسودة الاتفاق على أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح بشكل مطلق وان
لا يكون لديها جيش .
3- القدس : أشارت مسودة الاتفاق إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الفلسطيني اتفقا خلال مباحثات بينهما على تأجيل البحث في مسألة القدس خشية انسحاب حزب شاس من الائتلاف الوزاري .
4- اللاجئون : حصرت مسودة الاتفاق حق عودة اللاجئين ضمن حالات محددة وطارئة تتعلق فيما يعرف
بـ " لم شمل العائلات " . وبحسب مصادر إسرائيلية وأميركية فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت عرض على الرئيس الفلسطيني محمود عباس استعداد إسرائيل لاستيعاب ما يقارب (2000) لاجئ فلسطيني سنوياً ولمدة عشر سنوات . ليصبح إجمالي عدد اللاجئين الذين سيتم استيعابهم ما يقارب (20) ألف لاجئ
فلسطيني .

إن اتفاق المبادئ أو " اتفاق الرف " وفق ما كشف الكاتب الإسرائيلي يتناول مسائل : الحدود الدائمة ، واللاجئين ، والترتيبات الأمنية بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المرتقبة ، بينما يسقط مشروع الاتفاق موضوع القدس تماماً التي ستبقى من وجهة نظر إسرائيلية العاصمة الأبدية لإسرائيل. كذلك يتجاهل الاتفاق حق العودة المقر بعدد من القرارات الدولية الواضحة الصادرة عن الأمم المتحدة، ويختزل مشروع الاتفاق مشكلة ستة ملايين فلسطيني يعيشون في الشتات إلى عشرين ألفاً فقط، علماً بأن وزيرة الخارجية آنذاك تسيبي لفني عارضت بشدة استيعاب حتى العشرين ألف فلسطيني على عشر سنوات حتى لو كان ذلك تحت بند حالة " لم الشمل" .

وبحسب الكاتب الإسرائيلي فإن الفلسطينيين تحدثوا عن تبادل أراضٍ ولكن بحجم اقل مما عرضه الإسرائيليون، بحيث تقتصر مبادلة الأراضي على (2%) وليس على (5,5%) كما هو وارد في مشروع الاتفاق، واقترحوا أن تضم إسرائيل (2%) من الأراضي الفلسطينية مقابل أراضٍ بديلة.

إقرار بالهزيمة


المفهوم الإسرائيلي المضمر للسلام كشف عنه رئيس الوزراء المستقيل ايهود اولمرت من خلال العرض الذي قدمه للحكومة الفلسطينية الآنف ذكر تفاصيله وبنوده الرئيسة والذي يتمثل في اغتصاب (7%) من أراضي الضفة الغربية المحاذية للقدس، مقابل (5.5%) من أراضي النقب الصحراوية واعتبار قضية القدس مسألة خارج إطار المفاوضات وتأجيل البحث فيها ما يعني الإلغاء البطيء لهذه القضية . وقد تسربت معلومات صحفية تقول بأن إسرائيل مستعدة لتقديم عروض بشأن القدس وهي ذات العروض التي سبق وتم رفضها من قبل الرئيس الراحل ياسر عرفات وخلاصتها أن تبقى القدس ومسجدها الأقصى تحت السيادة الإسرائيلية وتكون هناك مشاركة فلسطينية في إدارة شؤون المسجد الأقصى .
وعلى صعيد آخر فإن الجهد الإسرائيلي يسعى إلى فرض حل قسري يتبلور في كيان سياسي فلسطيني يشمل اكبر عدد من الفلسطينيين على اصغر رقعة من الأراضي، وفي سبيل تحقيق هذه الرؤية تسعى حكومة إسرائيل لالتهام اكبر مساحة من الأراضي الفلسطينية عن طريق بناء الجدار العازل وتكثيف النشاط الاستيطاني حيث لا زالت الحكومة الإسرائيلية تواصل خططا لتغيير الأوضاع الجغرافية والديموغرافية بهدف فرض واقع جديد على قضايا الوضع النهائي سواء من خلال توسيع المستوطنات القائمة وإرساء مستوطنات جديدة أو مواصلة بناء الجدار العازل بين الضفة الغربية وإسرائيل.

ورغم هذا التعنت الإسرائيلي في كيفية معالجة قضايا الحل النهائي ، إلا أن الواقع العملي يكشف عن وجود قلق صهيوني حقيقي من أن يكون التفكير التوسعي الذي كان يخطط ل " إسرائيل كبرى " منذ تأسيس الكيان الصهيوني مدخلاً يقود إلى القضاء على " إسرائيل الصغرى" إذا جاز التعبير . حيث اقر رئيس حكومة إسرائيل المستقيل اولمرت بحقيقتين
لا تخلوان من دلالات مهمة، الأولى تتعلق بانتهاء حلم إسرائيل الكبرى دون رجعة أو موت إسرائيل التوراتية ، والأخرى أن إنفاق الكيان الصهيوني على المغتصبات لمدة أربعين عاماً كان عبئاً دون فائدة لان الضفة الغربية لن تكون ملكاً للكيان الصهيوني .

ولأكثر من سبب فإن اعتراف اولمرت، برأي مراقبين، في المرتين يعد مؤشراً على هزيمة المشروع الصهيوني، خصوصاً انه كان أكثر من أي زعيم صهيوني مرتبط بفكرة " ارض إسرائيل الكبرى "، ومن أشد الملتزمين بما يسمى عقيدة " المدرسة التصحيحية الصهيونية ومؤسسها زئيف جابوتنسكي صاحب الشعار الشهير " دولة على ضفتي النهر"، ويقصد أن الدولة العبرية يجب أن تشمل كل الأراضي التي تقع شرق
نهر الأردن وغربه.

ووفقاً لمحللين ، فإن أهم ما دفع اولمرت للإلحاح على أهمية انجاز " سلام مع الفلسطينيين على أساس دولتين لشعبين"، هو البحث عن حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في إطار ما يسمى بقضايا الوضع النهائي، أي عودتهم لدولتهم المفترضة، وليس للأراضي المحتلة عم (1948) حتى لو كانت أرضهم أو ارض آبائهم وأجدادهم، وبالتالي ضمان " يهودية الدولة العبرية "، التي صاروا يعزفون على وترها في الآونة الأخيرة بشكل واضح، وحصلوا على ضمان ودعم أمريكيين من إدارة الرئيس جورج بوش بإدراجها في صلب أي تسوية مع السلطة الفلسطينية ، منذ عهد رئيس الحكومة الصهيونية الأسبق ارئيل شارون .

الدور الأميركي


إن الفشل في إحراز تقدم حقيقي على مسار السلام الفلسطيني – الإسرائيلي يرجع إلى جملة أسباب موضوعية يأتي في مقدمتها فشل الدور الأمريكي في تحريك هذا المسار وافتقار هذا الدور إلى جهد مستمر يهدف إلى حل الصراع . فعلى مدى (16) عاماً ، وهي فترة ولاية بل كلينتون وجورج بوش الابن فشلت كافة الجهود والمفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة وترتب على هذا الفشل تداعي المزيد من المشكلات بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وإذا كان الرئيس الأميركي السابق على مقربة من التوصل إلى حل بين الطرفين بعد مفاوضات مكثفة في منتجع
" كامب ديفيد" فإن انتقادات موضوعية توجه للرئيس الحالي بأن إدارته في فترتي الولاية الأولى والثانية افتقرت إلى جهد حقيقي وجاد من اجل حل الصراع، حتى وعده بإقامة دولة للفلسطينيين لم يستطع الرئيس جورج بوش دبليو بوش الوفاء به . والذي حصل كان مغايراً تماماً لهذا الوعد حيث حصلت إسرائيل على المزيد من الدعم السياسي والعسكري واستمرت ببناء المستوطنات وإقامة الجدار العازل ضمن ما عرف بضمانات بوش لشارون، إلى أن انتهى الحال بأراضي الدولة الفلسطينية إلى ما يشبه الجزر المتباعدة بعضها عن بعض يفصل بينها كيانات استيطانية كثيرة .

الاتفاق الذي تسعى إليه وزيرة الخارجية الأميركية وتمارس ضغوطاً كبيرة من أجلة لا يلبي مطالب المفاوض الفلسطيني الذي يتطلع إلى اتفاق يشمل كل القضايا الأساسية ويبلور كيفية التوجه إليها . وفي المقدمة منها قضية القدس وقضية اللاجئين ، بينما تطالب الخارجية الأميركية الاكتفاء بالإشارة إلى القضايا المختلف عليها . وعرض وجهة نظر كل طرف بشأنها والخروج باتفاق ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتقدمه إلى الرئيس الأميركي باعتباره انجاز سلام يختتم به عهده
الرئاسي .


الإدارة الأميركية لم توجه إلى الآن رداً واضحاً على مشروع الاتفاق الذي تقدم بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت ، وكل الذي تقدمت به هذه الإدارة بشكل علني على هذا المشروع هو التصريح الذي أدلى به ديفيد وولش، مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط والمنشور في الصحف العالمية والعربية بتاريخ (12/8/2008) والمتضمن قوله : " أن هناك إطاراً سياسياً لكل شيء، وانه يجري العمل مع رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت رغم قراره بالتنحي عن منصبه " . وأضاف في تصريح آخر نشر بتاريخ (15/8/2008) : " أن المتفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين ما زالوا يجتمعون بانتظام" .

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق أنه إذا كان الرئيس الأميركي جورج بوش لم يتحرك جدياً طوال (8) سنوات لتحقيق السلام التاريخي في قضية الشرق الأوسط فهل يأتي اليوم وهو يلملم أوراقه للخروج من البيت الأبيض ومن خلال وصفة سحرية تمكنه من إيجاد حلول لكافة المشاكل العالقة والتوصل إلى اتفاق سلام لقضية هي من اعقد القضايا في العالم وأكثرها تأثيراً على المستوى العالمي ؟.

المسؤولية العربية


لا زالت القضية الفلسطينية حاضرة في الوجدان العربي، على المستويين الرسمي والشعبي ولا زالت تداعيات هذه القضية متداولة وحاضرة ضمن ما يعرف بـ " الصراع العربي – الإسرائيلي " .
وفي اجتماعها الأخير في جامعة الدول العربية - آب 2008- ألزمت الدول العربية نفسها بتقديم دعم للسلطة الفلسطينية في مفاوضاتها مع إسرائيل، وذلك بعد أن وصف بيان الجامعة الختامي تلك المفاوضات بأنها مفاوضات " بائسة"، ويتمثل الدعم الذي تعهدت به الدول العربية بأربع نقاط :
- القيام بعمل سياسي ضاغط في الأمم المتحدة من خلال طلب جلسة خاصة لمجلس الأمن تناقش قضية الاستيطان الإسرائيلي من اجل وضع حد لها مدعوم بقرار دولي .
- إجراء اتصالات دولية بهدف الضغط على إسرائيل التي تتشدد في قضيتين : اللاجئين وحق العودة .
- تدعيم الجهود العربية من اجل المصالحة الفلسطينية .
- عقد اجتماع بعد شهرين لدراسة الوضع وتقييمه .

الموقف العربي يدرك تماماً أن أزمة المفاوضات مرتبطة بمسائل محدودة، يأتي في مقدمتها الموقف الإسرائيلي الساعي إلى عرقلة إمكانية التوصل إلى صيغة مقبولة في قضيتي حق العودة والقدس، وكذلك هناك الموقف الأميركي الذي يعمل في الدقائق الأخيرة من توقيت خروج الرئيس جورج بوش من البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق بأي شكل وبأي صيغة وعرضه كانجاز سلمي أخير لهذه الإدارة وتقديمه كبديل عن نهج الحروب الذي اشتهرت به خلال السنوات الثمان الماضية .


أما على الصعيد الفلسطيني الداخلي، فإن الدول العربية معنية بمسألة الوحدة الوطنية وحل الخلافات الداخلية بين الأشقاء الفلسطينيين، وذلك وفق قواعد محدودة، أولها : احترام الشرعية الوطنية الفلسطينية التي من المتوقع أن ينشأ حولها خلاف قانون في الأيام الأولى من العام
المقبل. وثانيها : احترام المؤسسات الشرعية للسلطة الفلسطينية المنبثقة عن منظمة التحرير الفلسطينية. وثالثها : احترام الدستور الفلسطيني. فمن دون الالتزام بهذه القواعد فإن الدول العربية تخشى من تصاعد الخلاف الفلسطيني وتعطيل المؤسسات الشرعية وتجاوز الدستور.

إعداد : رئيس قسم الدراسات

نبال الخماش

أيلول/2008