الرئيس الأمريكي المنتخب
من جرأة الأمل إلى مرحلة التغيير
فاجأت الولايات المتحدة الأمريكية العالم وجزءاً هاماً من
شعبها في الداخل بانتخابها باراك حسين أوباما الرئيس الرابع
والأربعين للولايات المتحدة، حيث وصفت الروائية الأمريكية
السوداء الحائزة على جائزة نوبل للآداب توني موريسون هذا
النجاح لمرشح أفرو أمريكي بانه يمثل انتصاراً اخلاقياً لأمريكا
البيضاء . ذلك أن قطاعاً ملموساً من أمريكا البيضاء قد تغلب
على وساوسه وتحيزاته وميراثه العنصري الطويل وأعطى صوته لمرشح
من أب أفريقي مسلم لم يولد في الولايات المتحدة، كما لم يكن
مستغرباً أن يعطي الناخبون السود اغلبية أصواتهم الساحقة
لأوباما، ولا أن يصوت له معظم ذوي الأصول المكسيكية
واللاتينية، بالإضافة إلى أن غالبية الناخبين الأمريكيين العرب
والمسلمين منحوه أصواتهم بلا تحفظ .
شخصية أوباما
ومما لا شك فيه انه يمكن رؤية فوز المرشح الديمقراطي من زاوية
الكاريزما التي يتمتع بها أوباما ضمن عوامل أخرى مهمة ساعدت في
تحقيقه هذا الفوز الكاسح، فالرئيس الأمريكي المنتخب باراك حسين
أوباما ولد
في (4) آب من عام (1961 ) في هاواي لأب كيني وأم أمريكية بيضاء
من ولاية كانساس. وانفصل والداه عندما كان في الثانية من عمره
ليعود الأب إلى كينيا وتصبح الأم مسؤولة عن تربية الطفل .
وفي مرحلة لاحقة انتقل أوباما إلى جاكرتا صغيراً بعدما تزوجت
أمه طالباً اندونيسياً وأنجبت منه أخته غير الشقيقة ( مايا ) .
ويذكر الكاتب الروائي سكوت تورو وهو أحد أصدقائه بأن باراك
أوباما انتظم في تلك الفترة مدة سنتين في مدرسة إسلامية ثم
التحق بعد ذلك بمدرسة مسيحية كاثوليكية قبل أن يعتنق المسيحية
على مذهب كنيسة المسيح المتحدة . ولاحقاً التحق بإحدى جامعات
كاليفورنيا ثم انتقل إلى جامعة كولمبيا في نيويورك وتخرج منها
عام ( 1983 ) حاصلاً على البكالوريوس في العلوم السياسية
والعلاقات الدولية، وعمل بعدها في مجال العمل الأهلي لمساعدة
الفقراء ، كما عمل كاتباً ومحللاً مالياً لمؤسسة بزنس
انترناشونال كربوريشين ، ثم انتقل لاحقاً عام 1985 للإقامة في
مدينة شيكاغو بعد حصوله على وظيفة مدير مشروع تأهيل وتنمية
أحياء الفقراء وفي عام ( 1991 ) تخرج من كلية الحقوق بجامعة
هارفرد ودرّس القانون محاضراً في جامعة الينوي عام ( 1993) .
وفي عام ( 1995 ) كتب أوباما مذكراته بعنوان " أحلام من أبي "
وفي عام ( 1996 ) انتخب لمجلس شيوخ ولاية الينوي كعضو مؤثر في
الحزب الديمقراطي، وفي شهر تشرين الثاني من عام ( 2004 ) فاز
في انتخابات الكونغرس عن ولاية الينوي بنسبة ( 70% ) من إجمالي
أصوات الناخبين ليصبح واحداً من اصغر أعضاء مجلس الشيوخ
الأمريكي سناً وأول سيناتور اسود في تاريخ مجلس الشيوخ
الأمريكي .
البعد الاجتماعي لانتصار أوباما
شكل نجاح المرشح الأفرو أمريكي في الانتخابات الأمريكية نقطة
تحول في التاريخ الأمريكي المعاصر وأعطت الصحافة العالمية
أهمية كبيرة لهذا
الحدث ، حيث أفردت جريدة الفيجارو الفرنسية صفحات واسعة لتحليل
نتائج الانتخابات الأمريكية ودلالاتها في عددها الصادر بتاريخ
6 تشرين الثاني من العام الحالي .
فعلى مستوى التصويت النوعي : نال أوباما (49%) من أصوات الرجال
مقابل ( 48% ) لماكين وحصل أوباما على ( 56% ) من أصوات النساء
مقابل 43% لخصمه .
وعلى مستوى التصويت وفقاً للون : حصد ماكين من أصوات البيض
( 55% ) مقابل ( 43% ) لأوباما وبالمقابل نال أوباما ( 95% )
من أصوات السود مقابل ( 4% ) فقط لماكين. كما نال ( 66% ) من
أصوات الأمريكيين من أصول آسيوية مقابل ( 34% ) لماكين ، كما
نال (65% ) من أصوات باقي المنتمين إلى أصول أخرى في الولايات
المتحدة مقابل 31% لماكين .
أما على مستوى التصويت بحسب الفئات العمرية : فقد نال أوباما
من أصوات الأمريكيين ممن هم في سن ما بين 18-29 عاماً (66%) من
الأصوات مقابل (32%) لخصمه .
كما نال نسبة (52%) من أصوات الأمريكيين في سن ما بين (30-40)
سنة مقابل (46%) لخصمه .
وعلى مستوى تصويت أصحاب الدخل حصل أوباما على (60%) من أصوات
الذين دخلهم السنوي اقل من (50) ألف دولار .
وتشير دلالات هذه الأرقام إلى أن هناك غلبة واضحة لأوباما في
مجال تمثيل النساء والسود وذوي الأصول الاسبانية والآسيوية
والأصول الأخرى للمجتمع الأمريكي كما تؤكد أن لديه نسبة عالية
من تمثيل الشباب الأمريكي دون
سن التاسعة والعشرين، كما أن أوباما يمثل أكبر نسبة من أصحاب
ذوي الدخل المحدود والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى.
وبحسب ما يذكر د. مسعود ضاهر فإن هذه النسب تؤشر إلى تغيير
جذري في الذهنية الأمريكية لم تشهد مثيلاً لها منذ سنوات
طويلة،حيث تجلى ذلك التغيير في الإقبال الكثيف على صناديق
الاقتراع بصورة لم تشهد الولايات المتحدة مثلها، إلا عند
انتخاب الرؤساء العظام الذي تركوا بصمات كبيرة على التاريخ
الأمريكي. ومن المعروف أن أوباما أصدر بعد عقد من كتابة الأول
"أحلام أبي" كتاباً أخر بعنوان "جرأة الأمل" ولقد لاقى
الكتابان رواجا كبيراً، كما ان شعار أوباما الذي رفعه طوال
حملته الانتخابية كان التغيير والتغيير الفوري، حيث عرف كيف
يتحسس مشاعر الشعب الأمريكي وبالذات تطلعات الشباب.
تحول جديد:
يسعى عالم الاقتصاد الأمريكي بول كروغمان الحائز على جائزة
نوبل في الاقتصاد إلى الإجابة على التساؤل الكبير بقوله : هل
يعد انتخاب أوباما نقطة تحول في الجوهر الحقيقي للسياسة
الأميركية ويضيف أن بمقدور أوباما ان يقود البلاد إلى عهد جديد
من السياسات التقدمية، مبيناً بان من يشكك في ذلك عليه أن
يتذكر ما حدث في انتخابات الكونغرس من قبل، حيث حقق
الديمقراطيون انتصارات متتالية وحصلوا على (12) مقعداً إضافياً
في مجلس الشيوخ وأكثر من (50) مقعداً إضافياً في مجلس النواب،
والآن يستحوذ الديمقراطيون على الأغلبية في كلا المجلسين، وهو
الأمر الذي لم يتمكن الحزب الجمهوري من تحقيقه في الأعوام التي
حكم فيها، حيث يمكن اعتبار انتخابات الرئاسة هذا العام استفتاء
واضحاً على الفلسفات السياسية وهو ما ربحته الفلسفة التقدمية.
فلقد كانت دعائم حمله أوباما تقوم على الرعاية الصحية وخفض
الضرائب على الطبقة الوسطى لكن ماكين اتهم منافسة بانه اشتراكي
ويحاول إعادة تقسيم الثروات لكن أمريكا صوتت له على أية حال
وهو ما يعد تكليفاً حقيقياً .
ويعتبر بول كروغمان وجود الأزمة المالية في الولايات المتحدة
فرصة للتقدم باتجاه تفعيل الأجندة التقدمية، حيث تكون الأخلاق
الحميدة علم اقتصاد جيداً، فمساعدة المحتاجين في وقت الأزمات
عبر توسيع مظلة رعاية البطالة والصحة أمر صائب أخلاقياً، كما
أنه يعتبر حافزاً اقتصادياً أكثر فعالية من خفض ضرائب أرباح
رأس المال وكذلك تقديم المساعدات للدول المتضررة والحكومات
المحلية كي يتمكنوا من دعم الخدمات الأساسية، وهو أمر ضروري
لهؤلاء الذين يعتمدون على تلك الخدمات كما أنها طريقة أخرى
لتجنب فقدان الوظائف وتحجيم عمق الكساد الاقتصادي.
حكومة من اجل الناس :
ويذهب خليل العناني من صحيفة الحياة اللندنية (19 تشرين
الثاني) إلى حد اعتبار فوز أوباما انقلاباً جذرياً مبيناً بأنه
انقلاب سلمي، لكنه يمتد إلى العمق الجذري والفلسفي الذي بني
عليه المجتمع الأمريكي قبل
قرنين ونيف ، فصعوده يعكس تحولات عميقة تطال البنية التحتية
لمنظومة السياسة والثقافة في الولايات المتحدة، ويضيف : يخطئ
من يظن أن أوباما برغم شخصيته وموهبته يمثل ظاهرة فردية أو أن
فوزه مجرد تتويج لطموحه الشخصي الذي دشنه بكتابه الشهير "جرأة
الأمل " الذي أصدره قبل عامين وإنما هو مجرد قمة لجبل الثلج
لجيل جديد بدأ يجرف الحياة السياسية الأمريكية ويعيد تعريف
الكثير من مفرداتها بطريقة غير تقليدية، معبراً عن طموحات
وآمال جيل جديد من السياسيين تشكلت مفاهيمه وقناعاته استناداً
إلى المبادئ التي وضعها الآباء المؤسسون الذين سعوا لأن تصبح
السياسة لخدمة البشر وليس العكس، حيث من المتوقع أن تتشكل
فلسفة الحكم خلال الفترة الرئاسية الأولى لأوباما معتمدة على
المبادئ التالية:-
أولاً: مبدأ ما بعد الحزبية:
فبفضل هذا المبدأ نجح أوباما في تجنيد منافسيه داخل الحزب
وخارجه للعمل لصالحه على غرار ما حدث مع منافسته في الحزب
الديمقراطي هيلاري كلينتون التي انضمت إليه على الرغم من
خسارتها المريرة في الانتخابات التمهيدية للحزب، وكذلك نجاحه
في إحداث قلاقل غير معهودة داخل معسكر الجمهوريين حيث اندفع
بعض أقطاب الحزب إلى تأييده علنا على غرار ما فعل وزير
الخارجية السابق كولن باول وكذلك جزء مهم من القاعدة
الانتخابية للجمهوريين المعتدلين الذين قاموا بالتصويت له في
ولاية فرجينيا وفلوريدا.
ثانياً : مبدأ الديمقراطية
التفويضية : حيث يؤمن الجيل الأمريكي الجديد بضرورة استعادة
كلمة الديمقراطية معناها القديم باعتبارها تفويضا مباشراً من
الشعب، وقد تجلى هذا المبدأ في درجة التواصل غير المسبوقة التي
حدثت بين أوباما وجمهوره،تلك التي يعكف على دراستها حالياً
علماء وخبراء الاتصال السياسي في الجامعات الأمريكية. حيث دفعت
هذه الحال ملايين الأمريكيين خاصة من الشباب والأقليات التي
تمويل قسط مهم من حملة أوباما بأرقام قياسية حيث تم جمع ما
يقرب من (450) مليون دولار بفئة تبرع اقل من (200) دولار للشخص
الواحد وذلك من أصل (950) مليون دولار هي إجمالي
ما جمعه طيلة حملته الانتخابية، كما شجعت حملته الآلاف منهم
على الذهاب إلى صناديق الاقتراع ربما للمرة الأولى في حياتهم .
وقد رد أوباما على جميل هؤلاء جميعاُ في خطاب تتويجه بالرئاسة
بعبارة ذات مغزى بقوله " لن أنسى إلى من يعود هذا النصر،انه
يعود لكم ، إلى ملايين الأمريكيين الذين تطوعوا واثبتوا بعد
أكثر من قرنين أن حكومة من الناس وبواسطة الناس ومن اجل الناس
لم تختف عن وجه الأرض هذا هو نصركم".
ثالثاً : تجديد الحزب الديمقراطي
: أشار باراك أوباما في كتابه ( جرأة الأمل ) إلى أن أحد أدوات
تجديد الحزب الديمقراطي واستعادته مكانته لن تأتي إلا من خلال
الانعتاق من الارثوذكسية الأيديولوجية وعدم التمترس خلف مواقف
حادة تثير الانقسام الداخلي ،فالمهم من وجهة نظره هو الوطن
وليس الحزب ، وقد ساهم هذا المبدأ في تغيير قواعد اللعبة
الانتخابية وإعادة توزيع كتلتها التصويتية، وذلك بضم فئات
جديدة من الشباب وذوي الأصول الاسبانية، وذلك في مواجهة الكتلة
المتماسكة من اليمين المسيحي والانجليين التي لعبت دوراً في
ترجيح كفة الجمهوريين طيلة العقدين الماضيين .
وهو على عكس ما جرت العادة لم يستهدف جمهور السياسة وصانعيها
ومموليها وإنما استهدف بالأساس تلك الكتلة الصامتة من
الأمريكيين ، واتخذ من قضية الفقر مرتكزاً لحملته الانتخابية،
فهو يعتبر بأن الطبقة الوسطى لم تصب بأذى إلا بسبب السياسات
الاقتصادية للجمهوريين وقد استلهم رؤيته لهذه القضية من الكتاب
المتميز" الديمقراطية غير
العادلة " لعالم السياسة المعروف لاري بارتليس بجامعة برنستون
الذي يشير إلى أن مداخيل العائلات الفقيرة قد زادت ست مرات تحت
حكم الديمقراطيين وذلك مقارنة بالتدهور الذي حدث لها تحت حكم
الجمهوريين وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الذي فاز صبيحة الخامس
من تشرين الثاني هو جيل اللحظة العالمية الراهنة التي تعكس
مخاضاً نادر الحدوث سياسياً واقتصادياً وحضارياً ، الجيل الذي
سيكون عليه إعادة نحت مضامين جديدة للسياسة وأدواتها.
وفي هذا الإطار يذكر صبحي غندور بأن الأساس في السياسة
الخارجية للإدارة الأمريكية القادمة سيكون إسقاط نظرية "
الحروب الاستباقية " وإعادة الاعتبار لأسلوب المفاوضات مع خصوم
واشنطن، والاستناد إلى القانون الدولي وعدم الانفراد في
القضايا العالمية، وبالضرورة سينعكس هذا النهج إيجاباً على
المنطقة العربية .