العالم إلى
أين؟
" قراءة في التوازنات الدولية الجديدة "
مدخل:
الحرب الباردة اصطلاح يطلق على العلاقات الجديدة التي نشأت بين المنتصرين
في الحرب العالمية الثانية خلال الفترة بين نهاية هذه الحرب وانهيار
الاتحاد السوفيتي. عمليا كان قطبا الحرب هما الولايات المتحدة الاميركية و
الاتحاد السوفيتي ،وكان هدف كل منهما الحصول على مناطق نفوذ عسكري أو سياسي
وتوسيعها كلما كان ذلك ممكنا، والطرفان، وان كفا عن استخدام السلاح إلا
أنهما لم يتوقفا عن تطوير قدراتهما العسكرية والدخول في سباق تسلح لم يشهد
له العالم مثيلا من قبل وهذا السباق من ابرز سمات الحرب الباردة إضافة إلى
سعي كل من الطرفين للاستئثار بمناطق نفوذ على حساب الآخر وإنهاكه عن طريق
إشعال حروب محدودة لاستنزاف الخصم ، ولقد التزم الطرفان بالقواعد التي
شكلتها هذه المرحلة ولم يتجاوزاها إلى حرب ساخنة حتى في اشد الأزمات بينهما
كما هو الحال في أزمة صواريخ كوبا.
الحرب الباردة ، بعكس الحرب الساخنة التي تُشعل فيها النيران ويتبادل فيها
الأطراف القصف والضرب هي حرب استمرت بين الأعوام 1945 إلى 1990. وكان
الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه طرفاً من أطراف الحرب وكان هذا الطرف يسمى
بالكتلة الشرقية أو المعسكر الشرقي. ومن الجانب الآخر، الولايات المتحدة
وحلفاؤها وكانوا يعرفون بالمعسكر الغربي أو الكتلة الغربية.
تمثلت الحرب بالشعور المتبادل بين الطرفين بانعدام الثقة وتقديم سوء النية
على حسنها. وفي مرحلة من المراحل (أزمة الصواريخ الكوبية)، تنامت الشكوك
بين الطرفين بما أوحى باندلاع حرب عالمية ثالثة. وكانت الولايات المتحدة
وحلفاؤها يتهمون الاتحاد السوفييتي بنشر الفكر الشيوعي في العالم بينما كان
الاتحاد السوفييتي يتهم الكتلة الغربية بنشر الإمبريالية ومنع الحركات
الثورية.
استمرت الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1990 بتفكك
الاتحاد السوفيتي. وفي الفترة المذكورة، قامت عدّة صراعات مسلحة بسبب الحرب
الباردة كحرب كوريا، فيتنام والغزو السوفييتي لأفغانستان. وظلّت تلك
الصراعات العسكرية محدودة لعدم تعرض الكتل الكبيرة أو شعوبها للأذى.
في الصراع الاستراتيجي بين الكتلتين، كان هناك صراع من نوع آخر تمثل في
الصراعات التقنية وسباق التسلح كما لم يدّخر الطرفان جهداً في عملية التجسس
واغتيال عملاء الطرف الند. وتجدر الإشارة إلى أن الصراعات المسلحة الجانبية
كحرب فيتنام ومثيلاتها أرّقت العالم في احتمال تطور تلك الصراعات إلى حرب
عالمية نووية.
نهضة روسيا :
كان من نتائج الحرب الباردة انهيار الاتحاد السوفيتي و ميلاد النظام
العالمي
الجديد الذي نادى به الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب ،عقب نهاية حرب
الخليج الأولى ، وقد سمح النظام العالمي الجديد للولايات المتحدة الاميركية
القطب الذي كسب الحرب الباردة الانفراد بالسياسة العالمية وتطويعها وفقا
لمصالحها ورغباتها وفرض رؤيتها على الدول والتدخل في شؤونها وصار العالم
يتشكل وفقا للنمط الأميركي من التعددية الحزبية إلى التجارة الحرة والحدود
المفتوحة دون مراعاة لأية خصوصية دينية
أو ثقافية .
في المقابل بدأت روسيا مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة استعادة مواقعها
في العالم، وإقامة اتصالات لم تقتصر على البلدان التي كانت توصف بأنها
«حليفة تقليدية لروسيا» بل تجاوزتها لبناء علاقات وثيقة مع دول عربية
وإسلامية أخرى بينها دول الخليج العربي.
ويبرز في هذا السياق سعي روسيا التي تعدّ نفسها الوريث الشرعي للإمبراطورية
السوفيتية للعب دور مهم على الساحة الدولية يتناسب مع مكانتها واقتصادها
المتعافي في السنوات الأخيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمي. سيما في
مناطق التوتر الأكثر أهمية (الشرق الأوسط) بما لها من رصيد معنوي ايجابي
لدى دول المنطقة إبان الحقبة السوفيتية. والتي ظهرت بوادرها في محاولة
روسيا استمالة دول الخليج، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، من خلال عرض
إمكانية تزويدها بالتقنية النووية للدول الراغبة في امتلاكها، وإنشاء منظمة
خاصة بالدول المصدرة للغاز (على غرار أوبك) لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين
الطرفين، مستغلة انشغال الولايات المتحدة في المستنقع العراقي .
خطوات تمكين الفيدرالية الروسية :
أولا : الجبهة الداخلية-
كان الاقتصاد الروسي قبل تولي بوتين في عام 1999، ثم بعد انتخابه رئيساً
لبلاده عام 2000 يعاني من تفاقم الديون وعجز الدولة عن سداد رواتب موظفيها
وقواتها المسلحة، وحاول بوتين علاج بعض أمراض الاقتصاد الروسي فأعلن حربه
على الفساد والرشوة والبيروقراطية، وتبنى إصلاحات اقتصادية ونفطية أسفرت عن
الحفاظ على ثروات البلاد من النفط والغاز واستفاد من الطفرة التاريخية في
أسعار النفط التي دعمت اقتصاد بلاده وإجمالي نتاجها القومي وحقق معدل نمو
سنوي بنسبة 7 في المائة على مدى خمس سنوات وتبدل العجز في الموازنة إلى
فائض وفتح باب الاستثمارات الأجنبية. وعادت روسيا الاتحادية إلى الواجهة
كقوة اقتصادية ونفطية كبرى .
وفي مقابل الضعف الأميركي البادي، صعدت وتنامت القوة الروسية إلى حد مكّن
موسكو من استعادة سيطرتها على مواردها التي كانت قد انتقلت منها لصالح
الشركات الغربية، بموجب ''العقود الاستعمارية'' التي أبرمت في فترة ما بعد
العهد السوفييتي. وأصبح بمقدور موسكو الآن إبرام صفقة استثمارية عملاقة مع
أوروبا في مجال الطاقة، يتم بموجبها تبادل حصول القارة على منتجات الطاقة
الروسية، بفتح الأبواب الأوروبية أمام شبكة إمدادات الطاقة الروسية. وبذلك
تصبح روسيا عملاقاً يحسب له ألف حساب في أسواق الطاقة الأوروبية. لكن
المفوضية الأوروبية في بروكسل لا تزال تتمنع عن المصادقة على صفقة كهذه،
مما يترك أوروبا رهناً للولايات المتحدة الأميركية وهيمنتها الكاملة في
مجال الطاقة. لكن آن للغرب أن يدرك حقيقة أن شركاته لم تعد هي المهيمنة في
مجال الطاقة بأية حال.فخارج أوروبا ومنطقة شمال أميركا إجمالاً، تهيمن
شركات الطاقة التي تديرها حكومات وأنظمة معادية للولايات المتحدة الأميركية
في غالبها الأعم. وهاهي قواعد اللعبة قد تغيرت، بينما تحتل موسكو موقعاً
مركزياً لها في الحلبة الدولية الجديدة.
فقد أعلنت الأمم المتحدة أن روسيا وبقية بلدان رابطة الدول المستقلة تتمتع
بوتائر تنمية اقتصادية عالية على الرغم من الركود الذي يشهده الاقتصاد
العالمي.
وجاء في تقرير صدر أخيرا حول "وضع وآفاق الاقتصاد العالمي في عام 2008:
"لقد نمت اقتصاديات بلدان رابطة الدول المستقلة في عام 2007 بنسبة 6ر8
بالمائة بفضل التنمية الاقتصادية القوية في روسيا وأوكرانيا وغيرهما من
بلدان الرابطة ذات الاقتصاد الأقل حجما".
ويرى خبراء الأمم المتحدة أن أحد العوامل الرئيسية للمؤشرات الاقتصادية
العالية في روسيا وغيرها من بلدان الرابطة يتمثل في ارتفاع الطلب الداخلي
متأثرا بزيادة مدا خيل السكان ومضاعفة حجم الاستثمارات.
ويشير التقرير أيضا إلى انخفاض نسبة البطالة في بلدان الرابطة، وخاصة روسيا
من خلال توسع قطاعات البناء والخدمات.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي تمكن الرئيس بوتين بعد حملته في الشيشان التي
بدأها صيف 1999من وقف نزيف الحركات الانفصالية وعودة الكثير من مناطقها عن
حالات العصيان. وفي نفس الإطار يمكن الإشارة إلى ما اتخذه من إجراءات للحد
من نفوذ حكام الأقاليم واستعادة ما استطاعوا الحصول عليه من صلاحيات
واستقلالية إبان عهد يلتسين .
كما وقف بوتين وقفة جادة وحاسمة مع رفاق سلفه بوريس يلتسين من أقطاب المال
والأعمال الذين استطاعوا جمع المليارات في سنوات معدودات نتيجة خصخصة
الكثير من ثروات الوطن، وفي مقدمتها مصادر الطاقة والمعادن وأجهزة الأعلام.
وفي المجال العسكري قامت القيادة السياسية الروسية بإصلاحات في
إستراتيجيتها العسكرية، على نحو دفع تقرير وزارة الدفاع الأمريكية والمعروف
باسم Quadrennial Defense Review لانتقاد إستراتيجية روسيا العسكرية،
ووصفها بأنها تستعد لحرب . وقد صرح أقطاب الدولة الروسية في أكثر من مناسبة
بأن عمليات التحديث الجذري للقوات المسلحة و ما يجري على أرض الواقع من
عمليات تطوير وإصلاح فيما يتعلق بالمعدات والتجهيزات والجنود،هي أمر ضروري
لمواجهة متطلبات الحرب الحديثة والتهديدات التي تواجه روسيا . وفي هذا
المسعى خصص الرئيس بوتين 200 مليار دولار لتطوير أجيال جديدة من الصواريخ
والطائرات . وفي خطوة لتأكيد قدراتها في مجال بناء ما يسمى بالمنظومة
المضادة للصواريخ وتعويض خسارتها للعديد من محطات الرادار التي اضطرت إلى
التخلي عنها للجمهوريات السوفيتية السابقة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مثل
«غابالا» في أذربيجان و«سكوروندي» في لاتفيا. كما كشفت روسيا عن محطة «فورونيج»
للرادار في منطقة «ليختوسي» على مقربة من سان بطرسبورغ ، وبينت قيادة
القوات الاستراتيجية الروسية قدرات هذه المحطة التي تغطي كل إرجاء المناطق
الواقعة من غربي القطب الشمالي وحتى المغرب وشمال القارة الأفريقية وتعتبر
إضافة ثرية إلى ما تمتلكه روسيا من محطات رادارية إلى جانب محطة «ارمافير»
التي يجري بناؤها في منطقة كراسنودار على مقربة من ضفاف البحر الأسود .
كما عادت روسيا إلى تقاليد الاتحاد السوفيتي السابق حين استعرضت موسكو في
التاسع من أيار الماضي صواريخها النووية ودباباتها في الساحة الحمراء بعد
فترة توقف دامت 18 عاما حيث تم استعراض احدث انجازات البلاد العسكرية.
وشاركت فرق موسيقية عسكرية وثمانية آلاف جندي في العرض العسكري، وتتالت بعد
ذلك الأسلحة الثقيلة ومن بينها صواريخ توبول ـ ام البالستية ودبابات تي ـ
90 وحلقت المقاتلات فوق منطقة العرض , وشهدت كبريات المدن الروسية من الشرق
الأقصى حتى ضفاف البلطيق ، عرضا للمعدات العسكرية والطيران في إطار نفس
المنظومة التي شهدتها العاصمة.
ثانيا : الجبهة الخارجية –
سعى الرئيس بوتين في بداية عهده إلى تفعيل دور منظمة شنغهاي للتعاون - تضم
الصين وروسيا و أوزبكستان وكزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان - في محاولة
لإحياء حلف وارسو السابق . وفد نشأت المنظمة على إثر اجتماعات عديدة عقدت
في منتصف التسعينيات بين لجان خبراء من الدول الخمس لحل الخلافات الحدودية
والاتفاق على إجراءات ثقة في المجال العسكري لتخفيف التوتر في المناطق
الحدودية ومن ثم توقيع اتفاقية بهذا الشأن. وقد توجت هذه الاجتماعات بعقد
اجتماع قمة في مدينة شنغهاي الصينية في أبريل/ نيسان 1996 أسفرت عن توقيع
اتفاقية حول إجراءات الثقة في المجال العسكري ودشنت ميلاد المنظمة. ومن
المرتقب أن تتحول منظمة شنغهاي إلى منظمة إقليمية فاعلة. وأعطت الخطوة
الأولى لتوسيع صفوف المنظمة المتمثلة بمنح صفة مراقب لكل من إيران والهند
ومنغوليا وباكستان وأفغانستان المنظمة أهمية اكبر.
ومن أبرز أهداف المنظمة :
1- ضمان الأمن والاستقرار في منطقة آسيا الوسطى.
2-
مقاومة الإرهاب والانفصال والتطرف الديني وتوقيع اتفاقية خاصة بهذا الشأن
وإنشاء مركز لتنفيذها مقره في بشكيك.
3- توسيع التعاون الاقتصادي متعدد الجوانب والمستويات بين دول المنظمة.
4- تعزيز دور هيئة الأمم المتحدة باعتبارها الآلية الرئيسية لدعم
السلام والأمن الدوليين والوقوف ضد استخدام القوة أو التهديد باستخدامها
دون سماح من مجلس الأمن الدولي.
5 - الدفاع عن السلام في العالم أجمع وبناء نظام اقتصادي وسياسي عالمي جديد
عادل وعقلاني، واعتبار تعدد الأقطاب نزوعا عاما لتطور العالم المعاصر.
وقد لفتت المناورات التي أجرتها جيوش منظمة شنغهاي للتعاون للفترة من 6 إلى
17 آب/أغسطس 2007 في ميدان تشيباركول الواقع في ضواحي إقليم تشيليابنسك
الروسية وفي إقليم اورمتشي في الصين، الأنظار الدولية. وحضر زعماء منظمة
شنغهاي المرحلة الختامية من المناورات التي انطوت على أهداف سياسية وعسكرية
بعيدة المدى، واندرجت في إطار الاستراتيجية الدفاعية الروسية الجديدة.
وأسست المناورات لظهور قوة إقليمية من المرتقب أن يكون لها تأثير على مناطق
آسيا الوسطى وجنوب آسيا والخليج العربي.
ويجمع المراقبون على أن مشاركة ذلك العدد الكبير من الجنود ( 6 آلاف شخص)
ومختلف أصناف الآليات العسكرية والمقاتلات وطائرات الإنزال، لا يتناسب
وحقيقة الهدف المعلن منها، أي التنسيق بين دول شنغهاي في عمليات مكافحة
الإرهاب. فإن القوة التي استخدمت تفوق بكثير الأهداف المرسومة للمناورات.
وان الهدف الحقيقي يعود برأي الكثير من المراقبين العسكريين أيضا إلى عدم
إتاحة المجال لنشوء فراغ في آسيا الوسطى وعدم إتاحة الفرصة لتشغله دول من
خارج المنطقة
وكانت المناورات ردًا على التنافس القائم بين روسيا والغرب لتعزيز المواقع
في آسيا الوسطى والقوقاز. ورصدت موسكو سعي واشنطن للتغلغل أكثر في آسيا
الوسطى والقوقاز. وثمة مؤشرات على أن موسكو نجحت ضمن هذا التنافس بالتضييق
على تواجد أميركا والناتو في المنطقة .
ويعلق الكاتب باتريك سيل على دور المنظمة في مقاله " منظمة شنغهاي... خطوة
إيجابية لكسر الأحادية "بقوله :" بالفعل أصبحت "منظمة شنغهاي للتعاون",
تحدياً كبيراً للهيمنة الأميركية,. والشاهد أن مجرد وجود هذه المنظمة بحد
ذاته, يجسد طبيعة التحول المذهل الذي طرأ على توازنات القوى في عالمنا
المعاصر".
التحرك الروسي الأخير في القطب الشمالي :أعلنت روسيا في أول أيام شهر أغسطس
2007 أن بعثة بحرية اتجهت إلى القطب الشمالي ونجحت في اختراق غطاء الجليد
المكثف ثم إنزال غواصتين صغيرتين وصلتا إلى قاع البحر حيث أودع رئيس البعثة
العالم وعضو مجلس النواب شيلينجاروف العلم الروسي وذلك تأكيداً لمبادرة
روسيا كما قال وزير خارجيتها لافروف " بأن أرضنا الروسية تمتد إلى القطب
الشمالي وذلك على امتداد ساحة لومونوسوف وعلى امتداد1995 كيلو مترا تحت
دائرة القطب الشمالي ", وذلك تتويجا لجهود روسيا لاسترداد ساحة أرضها تحت
القطب الشمالي التي بدأت عام1937 في عصر ستالين . وبطبيعة الأمر بدأت
احتجاجات عدد من الدول المعنية خاصة كندا
والدنمارك والنرويج والولايات المتحدة حتى يتم صدور قرار لجنة التحكيم
الدولية في موضوع الحدود تحت البحار, وتدل التقارير الأولية أن هناك
مستودعات هائلة من الغاز والبترول والخامات الصناعية والمعادن الثمينة تصل
إلى عشرة بلايين من الأطنان ومن الواضح أن الموضوع يتعدى بكثير هذه
المستودعات, لأنه يعبر عن عزم روسيا الجديدة على تأكيد مكانتها كدولة
عظمى من جديد .
لم تخف روسيا أبدا رغبتها في العودة لمياه المتوسط ـ بؤرة الصراع ـ فقد أكد
قائد الأسطول الروسي الأدميرال فلاديمير ماسورين في تصريحات رسمية له أن
البحر المتوسط مسرح مهم لعمليات أسطول البحر الأسود ومنطقة سيطرة
الأسطول( الروسي طبعا) تمتد من البحر الأسود إلى البحر المتوسط وحتى
التقائه بالمحيط الأطلسي, ويتعين علينا استعادة الوجود الدائم لنا
هناك.
ضمن هذا المسعى وقعت روسيا مذكرة تفاهم مع سوريا, سيتم بمقتضاها السماح
للأسطول الروسي بالرسو في ميناء طرطوس في قاعدة بحرية قديمة بعد طول غياب
للقطع الحربية الروسية عن مياه البحر المتوسط, الذي كان الأسطول السادس
الأمريكي يمخر عبابه ويسيطر عليه وحده.
ويمنح الاتفاق الأسطول الروسي حق الوجود في ميناء طرطوس معيدا استخدام
قاعدته القديمة وستقوم سوريا بتقديم الخدمات الأرضية خصما من ديونها
لروسيا، وليس صعبا فهم الدوافع السورية لهذا القرار الذي جاء ليحقق رغبة
ومصالح كلا البلدين.
وبعد توقيع مذكرة التفاهم مع سوريا, أكد الأسطول الروسي أنه لن يتخلى عن
قاعدته في أوكرانيا في ميناء سفاستوبول في شبه جزيرة القرم والتي استأجرها
بعقد مدته20 عاما ويتم خصم إيجارها البالغ100 مليون دولار من المستحقات
المالية المترتبة على أوكرانيا مقابل إمدادها بالطاقة.
كما أحيت قيادة سلاح الجو الروسي تقاليد الطيران بعيد المدى, باستئناف
الطلعات الجوية للقاذفات والمقاتلات الاستراتيجية، فوق حاملات الطائرات
الأميركية في مياه المحيطين الهادئ و الأطلسي ، وبالقرب من قاعدة جوام
البحرية الأميركية. وكذلك قريبا من المياه الإقليمية لكبرى البلدان الغربية
بعد فترة توقف تزيد عن خمس عشرة سنة .
كذلك تحاول روسيا تعزيز وجودها ومكانتها العالمية، من خلال تدعيم علاقاتها
بالعديد من القوى الآسيوية البارزة، وفي مقدمتها الصين وإيران والعمل على
تشكيل تحالفات قصيرة ومتوسطة المدى معها، تمكنها من تقوية نفوذها في
جمهوريات آسيا الوسطى، وتعزيز أنظمتها العسكرية والدفاعية، وامتدت
المحاولات الروسية إلى الباحة الخلفية للولايات المتحدة , كان أبرزها عقد
تفاهمات وصفقات أسلحة مع الزعيم الفنزويلي هوغو شافيزعدو واشنطن اللدود .
وسعى الرئيس بوتين إلى تعزيز علاقات بلاده مع دول المنطقة العربية في جولته
التي زار خلالها كلاً من الأردن و السعودية وقطر . ناهيك عن علاقات موسكو
المتجددة مع دمشق و الجزائر .
ملامح حرب باردة :
لئن شكلت الحرب العالمية الثانية التي خاضتها دول ما عرف (بالحلفاء) ضد دول
(المحور) علامة مميزة في تاريخ العلاقات الأمريكية الروسية على صعيد
التعاون الذي وصل إلى درجة التحالف في مواجهة الخطر النازي وحلفائه، فان
قراءة تطور مستوى العلاقات بين الدولتين الكبريين سوف يفضي إلى إدراج هذه
العلاقات في سياق التنافس والصراع بينهما على موارد الطاقة والنفوذ
العالميين، مروراً باندلاع (الحرب الباردة) بين الكيانين الأكثر تسلحاً
وامتلاكاً للتقنية العسكرية، وما استدعى ذلك من اصطفاف دولي، في ذلك الوقت،
إزاءها.
لقد تمتع العالم بأمن نسبي معقول, عندما كانت الولايات المتحدة الأميركية
والاتحاد السوفييتي السابق, أسيري فخ الحرب الباردة بينهما. ولم يتوفر ذلك
الأمن إلا نتيجة لتوازن القوى القائم وقتها بين المعسكرين المتنافسين. فقد
كان كل منهما رقيباً على الآخر, وكان كل منهما يحيّد عملياً الترسانة
النووية للآخر, مما أتاح لبقية دول العالم فرصة للتنفس بهدوء وارتياح. وحتى
في أوقات الأزمات التي قرَّبت فيها كل من واشنطن وموسكو أسلحتها – مثلما هو
الحال خلال أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1962, أو إبان المراحل الأخيرة من
حرب أكتوبر 1973- فسرعان ما تراجع المعسكران وأنقذا العالم من الانزلاق إلى
حافة الهاوية, وعياً منهما بمدى الدمار الكارثي الذي يمكن أن يجرا إليه
العالم فيما لو اشتبكتا مع بعضهما بعضاً.
وعلى الرغم من كون رواسب الحرب الباردة قد أثرت في نظرة البلدين إلى بعضهما
على انه (العدو اللدود) للآخر، فان تلك العلاقات ما لبثت أن تحسنت، نسبياً،
في عهد كل من الرئيسين (بوتين) و(بوش) وتكللت بالتوقيع على معاهدة تخفيض
الترسانة النووية للبلدين بمعدل الثلثين. بيد أنها ما لبثت أن ساءت حيال
العديد من القضايا الدولية في ضوء طرح عدد من الأزمات الدولية التي تشكل
بؤراً للتوتر بين (أمريكا) و(روسيا) نظراً لاختلاف وجهات النظر والمصالح
الحاكمة لمواقفهما إزاء تلك القضايا. وقد أثارت الرغبة الأمريكية بنشر درع
صاروخي في بولندا وتشيكيا غضب ومخاوف روسيا الاتحادية التي رأت فيه تهديداً
مباشراً لأمنها القومي، سيما بعد أن تمدد حلف الناتو شرقاً قبل ذلك إلى أن
وصل إلى تخوم الحدود الروسية . وسنحاول لاحقا التعرض لتلك القضايا ببعض
التفصيل .
بدايات أزمة الثقة :
كثر الحديث على لسان مسؤولين في الحكومة الأمريكية تقول أن المواقف
السياسية لروسيا توحي بأنها تتجه إلى إحياء الحرب الباردة من جديد . وربما
كانت هناك مواقف سياسية روسية متشددة تجاه السياسات الأمريكية, لكن هذا
التخوف الأمريكي يعبر في نفس الوقت عن طبيعة تفكير الحكومة الأمريكية
الحالية والتي كانت قد سيطرت عليها فكرة التمتع بوضع الدولة العظمى الوحيدة
والهيمنة على العالم , بينما ظهر أن الساسة الروس يسعون من ناحية أخرى إلى
تأكيد وضع روسيا في العالم واستعادة دورها التاريخي عندما كانت واحدة من
القوى الكبرى المؤثرة في السياسات العالمية خلال قرون عديدة
ماضية.
فقد شن نائب الرئيس ديك تشيني أقوى الحملات النارية ضد موسكو, في خطابه
الذي ألقاه في فلينوس في الرابع من أيار 2006 أمام جمهور مؤلف من رؤساء تسع
من الدول العشر الممتدة من منطقة البلطيق وحتى البحر الأسود التي كانت تدور
سابقاً في الفلك السوفييتي, إضافة إلى رئيس وزراء واحد مثل الدولة العاشرة
بينها. وقد وجه تشيني هجوماً صارخاً وحاداً على الكرملين فيما يتصل بثلاث
مسائل هي: التراجع عن المكتسبات الديمقراطية، وتقويض وحدة إحدى جاراتها, في
إشارة منه إلى جمهورية جورجيا. وثالثاً وأخيراً, انتقد تشيني الرئيس بوتين
على استخدام بلاده للنفط أداة للترهيب والابتزاز. وتلك إشارة أخرى إلى
إبراز موسكو لعضلات شركتها العملاقة "غازبروم" خلال النزاع الذي شهده
الشتاء الماضي بين كل من روسيا وأوكرانيا.
من جانبه فقد رد الكرملين بغضب على تلك التصريحات والانتقادات. فبينما نعت
متحدث رسمي من الكرملين التصريحات باللامنطقية, مضى وزير الخارجية الروسي
سيرجي لافروف مباشرة لانتقاد ملتقى فلينوس, واصفاً إياه بأنه محاولة
أميركية مكشوفة لتوحيد وتأليب عدد من الدول والجمهوريات ضد دولة أخرى
مستهدفة.
كما دأب القادة الروس على انتقاد سياسة واشنطن الخارجية خاصة فيما يتعلق
بأنشطة الولايات المتحدة العسكرية على تخوم روسيا وفي الدول التي كانت
تابعة أو حليفة للاتحاد السوفيتي السابق, وكان اعنف هجوم على سياسات أميركا
والغرب قد جاء على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال المؤتمر العالمي
للسياسات الأمنية الذي عقد في مدينة ميونخ (11/ 2 /2007 ) فقد انعقد
المؤتمر في ظل أجواء التوتر والنزاع في العالم، من فلسطين إلى العراق
ولبنان وأفغانستان والبلقان والملفات الشائكة، وفي طليعتها، الملف النووي
الإيراني، ووسط إعادة اصطفاف جدّي لعدد من القوى الدولية، في مقدمتها
روسيا، للمرة الأولى منذ انهيار «معسكر الاتحاد السوفيتي»، وأيضاً في خضم
ولادة قوى جديدة، في مقدمتها إيران.
وشارك في مؤتمر الأمن الدولي في ميونخ أكثر من 300 شخصية سياسية وعسكرية،
يتقدمهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.وهي المرة الأولى التي يشارك فيها
رئيس روسي في حدث كهذا، ووزير الدفاع الأمير كي روبرت غيتس، والمستشارة
الألمانية أنجيلا ميركل، ، ووزيرة خارجية إسرائيل تسيبي ليفني، والأمين
العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.
جاءت كلمة بوتين أمام المؤتمرين مفاجئة للعديد من المراقبين ومحللي السياسة
الدولية، الذين رأوا فيها إعادة اصطفاف جديد للجبهات الدولية، كما رأوا
فيها إشارة تحذير مباشرة إلى الولايات المتحدة، التي استفادت من غياب
«منظومة الاتحاد السوفيتي»، لتفلت قواتها العسكرية في أنحاء العالم، سعياً
إلى فرض سيطرتها، وهو ما رأى فيه بوتين بأنه «تجاوز الحدود في كل مكان».
ووصف المراقبون لهجة بوتين أثناء إلقائه كلمته بأنها «تحذيرية»، كما لفتهم
تضمين كلمته لتعابير كانت منسية في القاموس السياسي الروسي طوال السنوات
العشر الماضية، وأبرزها الحديث عن «سعي الولايات المتحدة إلى الهيمنة على
مقدرات العالم».
ولا يقف إنذار بوتين عند حدود الولايات المتحدة، بل طال أيضاً ما يعرف بحلف
شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وبقية الدول، لإخضاعها للمشيئة الأمير كية،
وجرّها إلى الحروب والقتال.
وفي هذا المجال، قصد بوتين بوضوح خضوع ألمانيا الاتحادية لمشيئة البنتاغون
الأميركي، وتمدّد حلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق، أي الحدود الروسية.
وفي هذا الصدد، قال الرئيس الروسي إن «استخدام القوة يُعدّ مشروعاً، إذا
اُتخذ قرار بذلك على أساس الأمم المتحدة، وفي إطارها، ولا داعي إلى استبدال
منظمة الأمم المتحدة بحلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي».
وقد علّق المتحدث باسم مكتب الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف على هذا الموضوع
بالقول إن كلمة بوتين «مجرد إنذار. هذا الإنذار لا يعني تهديداً بالمواجهة
العسكرية، بل يعني إبداء مخاوف ومشاعر القلق».
غير أن محاولة تليين الموقف الروسي لم تقنع المراقبين، بعدما أعلن بوتين
صراحة «أن روسيا تمتلك أسلحة متطورة، بإمكانها أن تحوّل المظلة الدفاعية
الصاروخية الأمير كية فوق شرق أوروبا إلى مظلة من دون جدوى وعديمة
الفائدة»، لكنه تابع أن شلّ فعالية هذه المظلة الصاروخية «لا يمكن اعتباره
موجّهاً ضد الولايات المتحدة، وضد رئيسها الصديق جورج بوش، لأنه شخصية
بالإمكان التفاوض معها، رغم أن هذا الأمر صعب».
وقد تضمّنت كلمة بوتين ما هو أوضح: «إن ما نراه هو سيطرة نظام على العالم.
هذا لا علاقة له بالديموقراطية، لأن الديموقراطية تعني سيطرة الأكثرية مع
مراعاة حقوق ومصالح الأقلية»، قبل أن يُطلق اتهاماً مباشراً بقوله إن «كل
مواطن غربي يسعى إلى تعليم روسيا الديموقراطية، بينما هو نفسه لا يسعى إلى
تعلّمها»، مضيفاً «نحن اليوم شهود عيان على تمدد عسكري متجاوز للحدود
والمعايير الدولية، لأن الولايات المتحدة تجاوزت حدودها السياسية في جميع
الميادين». وختم بوتين بالسؤال «متى ينتهي هذا الأمر؟ ما من مواطن يشعر
اليوم بالأمان».
وفي المسألة الإيرانية، رأى بوتين أنه «بالنسبة إلى وجود صواريخ لدى إيران
تهدد بها أوروبا فأنتم مخطئون؛ لدى إيران اليوم صواريخ مداها 2000 كيلومتر،
وبالتحديد 1700 كيلومتر، والإيرانيون لا يزالون في وارد التخطيط فقط لصنع
صواريخ مداها 2400 كيلومتر. أما بالنسبة إلى نيتهم نصب رؤوس نووية عليها،
فليس لدينا مثل هذه المعلومات»، مشيراً إلى أن التعاون العسكري بين روسيا
وإيران «في حده الأدنى». لكنه أضاف إن بلاده قامت أخيراً بتصدير منظومات
دفاع جوي إلى طهران «كي لا تشعر إيران بأنها محشورة في الزاوية، وكي لا
تشعر أنها موجودة في وسط عدائي، وكي تعرف أنه لديها قناة للتواصل، وأن
لديها أصدقاء يمكن الركون إليهم».
وبينما كان الرئيس الروسي يهم باختتام كلمته، صاحت ممثلة الشؤون الأمنية في
حزب الخضر الألماني النائب أنجيليكا بيير «نسيت قضية حقوق الإنسان، ومقتل
الصحافيين سيدي الرئيس». فأجاب بوتين بسرعة «آه تذكرت. إنها قضية صعبة
ومعقدة، لكن ليس عندنا فقط؛ إن العديد من الإعلاميين والصحافيين يقتلون في
جميع أنحاء العالم، وتحديداً في العراق، لا في روسيا فقط».
ولفت نظر المراقبين خارج قاعة المؤتمر بعض «الدلالات الشكلية» ذات الأبعاد
العميقة، بينها وصول موكب الرئيس الروسي إلى مكان انعقاد المؤتمر، وهو يضم،
إضافة إلى سيارة «المر سيدس» الألمانية الصنع والمصفحة، سيارة ليموزين
قديمة سوفيتية الصنع، من طراز «زيل»، الذي اعتاده القادة السوفيت سابقاً.
وفيما بعد استمر التراشق بين الدولتين، حيث رد الساسة وصناع الرأي
الأميركيون، على تلك الاتهامات بانتقاد السلطوية المتزايدة للكريملين،
والتي كان آخرها موقف موسكو من بطل العالم السابق في الشطرنج "جاري
كاسباروف" وتنظيمه السياسي , (وقبل ذلك اغتيال الصحفية "آنا بوليتكوفسكايا"
وتسميم "ألكسندر ليتفيننكو" (عميل الـ"كي.جي.بي" السابق، الذي تحول إلى
مناهض لبوتين في لندن). ولم تسكت موسكو على الاتهامات الأميركية وبدورها
اتهمت واشنطن بالنفاق الصارخ، وأن تشدقها بالديمقراطية أمر يدعو للسخرية،
لأنها تصادق العديد من الأنظمة غير الليبرالية في مناطق مختلفة من العالم،
(وهو ما تقوم به فعلاً) وتستخدم التعذيب والاعتقال بدون مسوغ قانوني -متى
ارتأت ذلك.
وهناك اتهامات متبادلة بين الدولتين حول مسائل السياسة الخارجية أيضاً، حيث
يتهم البيت الأبيض روسيا باستخدام أسعار الغاز للضغط على كل من أوكرانيا،
وبيلاروسيا، وجورجيا، كما يتهمها بدعم الحركات الانفصالية الساعية إلى
إنشاء دويلات في كل من مولدوفا وجورجيا، ويعتبر أن كل ذلك يعد دليلاً
كافياً لوسم السياسة الخارجية الروسية بالإمبريالية. ويرد "الكريملين"
قائلاً إن ذلك هو رد موسكو الملائم على الحملات الأميركية الهادفة لتقويض
النفوذ الروسي من خلال تمويل الحركات المناوئة لموسكو والتشجيع على بناء
خطوط أنابيب للطاقة تتجنب المرور بالأراضي الروسية.
محاور الصراع الروسي – الغربي :-
أولاً - توسيع حلف "الناتو" :
أن توسيع الناتو يبقى المشكلة الأساسية التي تعقد علاقات روسيا مع الغرب.سيما
بعد أن تمدد الحلف شرقاً إلى أن وصل إلى تخوم الحدود الروسية بدخول العديد
من دول الكتلة الشيوعية سابقاً ضمن إطاره , كذلك فإن الجمهوريتين
السوفيتيتين سابقا، جورجيا وأوكرانيا، المتاخمتين لروسيا تسعيان للانضمام
إلى الحلف , وسبق أن انضمت إلى الناتو بلدان البلطيق .
وقد رفض القادة الروس في مناسبات عديدة خطط حلف شمال الأطلسي( الناتو)
للتوسع شرقا في أوروبا. كان أخرها خلال محادثات الرئيس بوتين مع قادة حلف
الناتو في ختام قمة الحلف بالعاصمة الرومانية بوخارست نيسان الماضي . حيث
قال في مؤتمر صحفي عقب المحادثات: " إن استمرار عملية توسع الحلف تمثل عقبة
في طريق التعاون" معبرا عن مخاوف روسيا تجاه أمنها القومي من هذا المشروع .
كما أعلن سيرغي ريابكوف، مدير دائرة التعاون الأوروبي العام في وزارة
الخارجية الروسية، في تصريح نقلته محطة إذاعة "صوت روسيا"عشية قمة بوخارست
" أن عملية توسيع الحلف كلها خاطئة. وليس هناك حاجة لتوسيع الناتو وشموله
البلقان. وقد سبق أن عارضت توسيع حلف شمال الأطلسي خلال موجتي التوسيع
السابقتين، بما في ذلك خلال قبول الحلف بلدان البلطيق". وقال ريابكوف " إن
روسيا على قناعة بأن الناتو بالشكل الذي يعمل به الآن هو حلف عسكري
بالمرتبة الأولى. "
في السياق نفسه حذر السفير الروسي في ألمانيا فلاديمير كوتينيف حلف شمال
الأطلسي/ الناتو من حدوث تداعيات خطيرة في حال توسيع الحلف شرقاً من خلال
ضم جورجيا وأوكرانيا إليه. وقال كوتينيف في مقال خص به الموقع الألماني
Deutsche Welle : "إننا على قناعة بأن هذا الانضمام سيكون بمثابة خطأ سياسي
قد يكون له نتائج كارثية". كما توقع أن يؤدي الانضمام المحتمل للبلدين إلى
تدهور العلاقات بين روسيا والغرب بشكل مأساوي. ودعا السفير الروسي إلى عدم
تجاهل قلق بلاده إزاء هذا الانضمام المحتمل على أساس أن ما سيقام قرب
الحدود الروسية ليس أبنية لمجالس نيابية أو لعقد ملتقيات، بل بنية تحتية
لتكتل عسكري وسياسي يهدد بوقف التعاون بين روسيا والغرب وخاصة في مجال وقف
سباق التسلح.
ويعترف قادة الناتو من جهتهم بالتحدي الذي يشكله مشروع توسيع الحلف
للعلاقات بين روسيا والغرب فقد اقر الأمين العام لحلف الناتو ياب دي هوب
شيفر في تصريحات للصحفيين بعدم تحقيق أي تقدم خلال المحادثات التي جرت بين
القيادة الروسية وقادة الحلف في قمة بوخارست وقال "إن موضوع توسيع الحلف ما
زال من المشكلات العالقة". بالرغم من وصفه للمحادثات مع بوتين بأنها "كانت
صريحة ومفتوحة وجرت في أجواء إيجابية" .
ولا بد من الإشارة إلى أن مشروع توسيع حلف شمال الأطلسي شكل بداية لسلسلة
أزمات بين روسيا والغرب , فالحلم الأمريكي للوصول إلى المناطق المتاخمة
لروسيا قد تحقق , ولم يبق على واشنطن سوى تكريس هذا الانجاز والاستفادة منه
إلى أقصى حد ممكن , في الوقت الذي اعتبرت فيه موسكو الخطوة الأطلسية تهديدا
لأمنها القومي .
ثانياً - الدرع الصاروخي الأمريكي :
لم تتأخر واشنطن في البحث عما يوجع خاصرة غريمتها التاريخية موسكو ,
فاستغلت أزمة المفاعل النووي الإيراني لتنفيذ خططها لتطوير ونشر دروع
صواريخ دفاعية في أوروبا الشرقية، تتضمن إرسال عشر طائرات اعتراضية إلى
بولندا ورادار متخصص إلى جمهورية التشيك خلال الأعوام الثلاثة أو الأربعة
المقبلة معلنة أن مهمة تلك الصواريخ ردع إيران ومواجهة التهديد الذي تشكله.
وإن نظام الدفاع الصاروخي لن يؤثر على القدرات العسكرية الروسية. مشيرة إلى
أن هذا النظام المخطط إقامته في أوروبا، على غرار الأنظمة الموجودة في
كاليفورنيا والأسكا «بإمكانه فقط التعامل مع التهديدات الأولية» التي
تشكلها دولة في حجم كوريا الشمالية.
أما موسكو فقد كانت في غاية الريبة من النوايا الحقيقة الأميركية التي تقف
وراء بناء مجال مضاد للصواريخ في مناطق قريبة من الاتحاد السوفيتي السابق.
مبينة أنه إذا كان التهديد بشن أي هجوم يأتي فعلياً من قبل إيران، فإنه يجب
على الحكومة الأميركية بناء نظام دفاع صاروخي في جنوب أوروبا أو تركيا، وإن
وضع الصواريخ الدفاعية في أوروبا الشرقية يوحي بدوافع مستترة، إذ سيسمح وضع
الرادار في جمهورية التشيك للولايات المتحدة بكشف الأراضي الروسية،
وبالتالي سيصبح إسقاط الصواريخ الروسية أسهل بكثير. كما عبرت أيضاً عن قلق
الحكومة الروسية بشأن سرعة التخطيط لبناء مجال الدفاع الصاروخي، مجادلةً
بأنه طالما كانت قدرات كل من إيران وكوريا الشمالية بعيدة عن إطلاق صواريخ
نحو أوروبا، فإن سرعة المشروع تشير إلى استهداف دول، مثل روسيا. فبالنسبة
إلى روسيا فإن الدروع المضادة للصواريخ توجد بالفعل في الأاسكا
وكاليفورنيا، أما نظام الدفاع الصاروخي المخطط إقامته في أوروبا الشرقية
فينظر إليه على أنه نظام عالمي مضاد للقذائف البالستية يهدف إلى تطويق
روسيا والصين.
و في محاولة لأخذ زمام المبادرة السياسية فيما يتعلق بالعلاقات مع الولايات
المتحدة اقترحت القيادة الروسية توسيع دائرة البلدان التي تشارك في التصدي
للمخاطر العالمية،مشيرة إلى أن مجلس "روسيا - الناتو" يعتبر ميدانا نموذجيا
لمثل هذا التعاون، موصية بإنشاء مركزين لتبادل المعلومات حول عمليات إطلاق
الصواريخ يقع أحدهما في روسيا والآخر في إحدى العواصم الأوروبية وتحديدا في
بروكسل. كما عرضت القيادة الروسية على الناتو الاستخدام المشترك لمحطة
الرادار التي تستأجرها روسيا في منطقة غابالا الأذربيجانية لأغراض منظومة
الدفاعات المضادة للصواريخ، مؤكدة في الوقت ذاته استعداد روسيا لتحديث هذه
المحطة, غير مستبعدة احتمال استخدام محطة الرادار الجديدة التي يجري
تشييدها في ارمافير بجنوب روسيا في التعاون مع الولايات المتحدة في مجال
الدفاعات المضادة للصواريخ.
كما اقترحت موسكو وضع هذه المنظومة تحت إشراف مجلس "روسيا - الناتو" لتكون
بذلك درعا صاروخيا أوروبيا.
لكن الولايات المتحدة رفضت المقترحات الروسية كبديل عن المشروع الأميركي
لنشر عناصر من الدرع الواقية من الصواريخ في بولندا وجمهورية تشيكيا، حسب
ما أعلنه مساعد وزيرة الخارجية بالوكالة للشؤون العسكرية ستيفن مول حيث
قال: ''ما لا نقبله هو ان تمثل غابالا بديلاً للخطط التي نحن بصدد تطويرها
مع حلفائنا التشيكيين والبولنديين''• وأضاف خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نائب
وزير خارجية أذربيجان عرز عظيموف ''نعتقد أن هذه المنشآت هي ضرورية لأمن
مصالحنا في أوروبا''• وأوضح أن بولندا وجمهورية تشيكيا ''موافقتان'' وأن
''الحلف الأطلسي بأسره موافق، ولا نعتقد أن الاقتراح المتعلق بغابالا سيكون
بديلاً''• وقال أيضا: ''سوف نواصل إقامة المنشآت في هذين الموقعين''•
لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حذر من أن بلاده ستوجه صواريخها
الاستراتيجية نحو بولندا وتشيكيا في حال موافقتهما على نشر الصواريخ
الاميركية في اراضيهما، ونحو أوكرانيا في حال انضمامها إلى حلف شمال
الأطلسي (الناتو)، مشيرا إلى أن هناك من يؤجج الميول المعادية لروسيا في
بولندا من اجل تهيئة الرأي العام لقبول خطة نشر عناصر المنظومة الصاروخية
في الأراضي البولندية. وانتقد بوتين الناتو في مؤتمره الصحافي الأخير في 15
شباط
2008قبيل انتهاء ولايته الثانية، وقال أن قيادتها السياسية تقرر توسيع
الحلف «من دون إجراء أي استفتاء شعبي ومن دون مراعاة للرأي العام». ورد
الناتو على الرئيس الروسي وقال أن «دول الحلف هي الوحيدة التي تقرر توسيع
الحلف من عدمه». وقال جيمس اباتوراي لوكالة الصحافة الفرنسية: «وحدها دول
الحلف الأطلسي تقرر توسيع الحلف وليس لأية دولة الحق بالنظر في هذا
القرار». وأضاف أن «توسيع الحلف الأطلسي عملية ترجع إلى عشرات السنين
وتساهم بشكل واضح جدا في استقرار أوروبا وأمنها».
وفي تطور أخير عبرت موسكو و بكين خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي
ديمتري مدفيدف للصين في أيار الماضي عن قلقهما إزاء مشروع الدرع الأميركية
المضادة للصواريخ في أوروبا واعتبرتا أنها تعرقل "الجهود الدولية للحد من
التسلح". وجاء في بيان مشترك للبلدين اثر اجتماع الرئيسين الروسي و الصيني
إن هذا المشروع "يحول دون تعزيز الثقة بين الدول وتحقيق الاستقرار الإقليمي
ونحن نعبر عن قلقنا حيال هذا المشروع".
وأضاف البيان أن "إنشاء منظومة شاملة للدفاع المضاد للصواريخ.. في بعض
مناطق العالم
أو تعزيز التعاون في هذا الصدد لا يساهمان في المحافظة على التوازن
الاستراتيجي والاستقرار ويعرقلان الجهود الدولية للحد من التسلح ومن
الانتشار النووي".
ثالثاً – معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في
أوروبا :
تعد معاهدة الأسلحة التقليدية في أوروبا أحد مواريث الحرب الباردة بين
الشرق والغرب؛ حيث أن هذه المعاهدة هي تطويرٌ للمعاهدة التي كانت مُوقَّعة
بين حلف الناتو وحلف وارسو السابق في العام 1990، وقد تمَّ تجديد العمل
بالاتفاقية في 19 نوفمبر من العام 1999م؛ حيث وقَّعت عليها 30 دولةً من
بينها الولايات المتحدة وروسيا في تركيا إلا أن دول حلف الناتو المُوقِّعة
عليها لم تقم بالمصادقة النهائية عليها للآن.
وقد تم التوقيع في إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وتنص المعاهدة على
خفض الأسلحة غير النووية المنتشرة في المنطقة الممتدة من المحيط الأطلنطي
إلى إقليم الأورال الروسي بنسبة 10%، وتبرر دول الناتو عدم مصادقتها
نهائياً على المعاهدة باستمرار وجود القوات الروسية المنتشرة في كلٍّ من
جورجيا ومولدوفا، وهي القوات التي تريد دول الناتو سحبها.
إلا أن روسيا بدأت في المطالبة بإلغاء الخطط الأمريكية الخاصة بنشر الدرع
الصاروخي في أوروبا لكي تقوم بتنفيذ المطالب الغربية بسحب قواتها من جورجيا
ومولدوفا. ويأتي هذا التجاذب الروسي الغربي حول معاهدة الأسلحة التقليدية
في أوروبا كحلقةٍ جديدةٍ من حلقات التوتر القائمة بين الجانبين.
وقد باغت الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين الغرب بإعلانه تجميد عضوية
بلاده في معاهدة الحدِّ من الأسلحة التقليدية في أوروبا خلال خطاب "حالة
الاتحاد" الذي ألقاه في 26/4/2007 أمام البرلمان الروسي "الدوما".قائلا أن
القرار يأتي بسبب عدم احترام الدول أعضاء حلف "الناتو" لبنود المعاهدة
الخاصة بالحد من الانتشار العسكري في أوروبا، مؤكداً أن الموقف الروسي
سيستمر "إلى أن يُعدِّل حلف شمال الأطلسي الاتفاقية ويقوم بتطبيقها بشكلٍ
صارم"، في إشارةٍ إلى الدرع الصاروخي الذي تريد الولايات المتحدة نشره في
بولندا وتشيكيا.
وقد رد حلف "الناتو" على تصريحات بوتين بطلب توضيحاتٍ من روسيا حول تلك
التصريحات؛ حيث قال الأمين العام لحلف "الناتو" ياب دي هوب شيفر "أتوقع من
وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن يقدم تفسيرًا لكلمات رئيسه"، مطالبًا
روسيا بأن تسحب قواتها من كلٍّ من مولدوفا وجورجيا؛ حيث يعتبر الغرب ذلك
خرقًا للمعاهدة.
كما دعت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس- في مؤتمرٍ صحفي في
العاصمة النرويجية أوسلو قبيل اجتماع لوزراء خارجية دول حلف الناتو وروسيا-
روسيا إلى الوفاء بالتزاماتها بخصوص تطبيق بنود المعاهدة قائلةً: إن "هذه
التزامات بموجب معاهدة ويتوقع من الجميع الوفاء بالتزامات المعاهدة".
وتعليقا على الإعلان الروسي صرح مساعد المتحدث باسم الحكومة الألمانية
توماس ستيغ أن ألمانيا تعول على الحوار مع روسيا لافتا في الوقت نفسه إلى
أن التهديدات لا تساعد على إحراز تقدم.
وأضاف في مؤتمر صحافي أن المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تعتبر دوما أن
لألمانيا وأوروبا مصلحة في إقامة شراكة استراتيجية مع روسيا " فنحن بحاجة
لبعضنا البعض وعلى هذا الأساس ينبغي التحدث معا في مناخ من الثقة وفي إطار
ثقافة حوار".
وأكد أن معاهدة القوات التقليدية في أوروبا تشكل بالنسبة للحكومة الألمانية
ركنا مهما ومن مصلحة (ألمانيا) إنجاز تقدم جديد وخطوات ملموسة في مجال نزع
الأسلحة وضبط التسلح.
وكان وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير عبر عن أسفه في وقت
سابق للخطوة الروسية معتبرا أن أي انسحاب من المعاهدة يشكل خطوة في الاتجاه
الخاطئ.
من جهتها عبرت فرنسا عن رغبتها في عودة موسكو عن قرارها تعليق المعاهدة ذات
الصلة بالقوات التقليدية واصفة هذه الوثيقة بحجر الزاوية في الأمن
الأوروبي.
وقال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية جان باتيست ماتيي"سنواصل بالطبع داخل
مجلس الحلف الأطلسي وروسيا مناقشة المسائل المتعلقة بمعاهدة القوات
التقليدية في أوروبا".
رابعاً – إستقلال إقليم كوسوفو :
وكانت أخر المظاهر التي اعتبرت ضمن المواقف التي يرصدها الأمريكيون على
أنها مؤشرات على عودة الحرب الباردة هي الخلاف حول مستقبل إقليم كوسوفو,
وذلك ضمن سلسلة من المشاكل العالمية الأخرى المختلف عليها بين الولايات
المتحدة وروسيا.فقد بذلت الإدارة الأمريكية جهودا مكثفة لتحقيق استقلال
إقليم كوسوفو عن جمهورية صربيا المقربة من روسيا، في تحد واضح للموقف
الروسي الرافض لذلك حتى لو أدى الأمر إلى استخدام حق النقض (الفيتو) في
مجلس الأمن، ما دعا أمريكا إلى التلويح بإمكانية الاعتراف باستقلال الإقليم
من واشنطن والاتحاد الأوروبي فيما لو اقتضى الأمر , ففي بداية هذا العام
واجهت الولايات المتحدة تهديدا روسيا باستخدام الفيتو في مجلس الأمن ضد
محاولة الحصول على قرار من المجلس بإستقلال إقليم كوسوفو عن صربيا, والذي
يمثل الألبان المسلمون90% من سكانه, بينما يمثل الصرب الأقلية التي لا
تزيد عن10% من السكان. وكانت نتيجة هذا التهديد أن تخلى الأمريكيون
والأوروبيون عن تقرير مصير كوسوفو في مجلس الأمن وتشكيل مجموعة دولية هي
التي تتخذ القرار الخاص بمستقبل الإقليم.وقد توجت تلك الجهود بإعلان
استقلال الإقليم من جانب واحد خلال جلسة لبرلمان كوسوفو في17\ 2 \2008.
من جهتها رفضت روسيا على لسان رئيسها آنذاك فلاديمير بوتين إعلان استقلال
الإقليم، وقال انه سيطرح موضوعها في مجلس الأمن، مؤكدا عدم جواز المعايير
المزدوجة التي تتبناها البلدان الأوروبية التي دعاها إلى عدم تشجيع الحركات
الانفصالية. ودعا إلى احترام وحدة أراضي صربيا بموجب قرار مجلس الأمن رقم
1244 الذي ينص على أن كوسوفو جزء لا يتجزأ من أراضيها. وأشار إلى قبرص
وايرلندا الشمالية والحركات الانفصالية في اسبانيا وابخازيا واوسيتيا
الجنوبية بوصفها أمثلة للبلدان التي رفعت راية الانفصال ولم تجد لدى
البلدان الغربية أي رد فعل على مطالبها. وقال أن أحدا لا يجري مفاوضات طوال
أربعين سنة حول تقسيم قبرص ولا يتحدث عن استقلال ابخازيا أو اوسيتيا
الجنوبية .
وترى موسكو مثل بلغراد أن استقلال كوسوفو سيشكل انتهاكا لقرار اعتمده مجلس
الأمن الدولي في 1999 في نهاية الحرب بين الصرب والألبان في كوسوفو يمنح
الإقليم "حكما ذاتيا واسعا" وحذرت مرارا من تداعياته السلبية على الأمن
الإقليمي.
وقد اعتبر بعض المراقبين أن هذه الصيغة تمثل هزيمة لأمريكا لأنها تتجنب
الفيتو الروسي , كما أن هناك من يرى أن ذلك يمثل نجاحا للإستراتيجية
الروسية التي تسعى لإحداث إنقسام في صفوف أوروبا حول قضية كوسوفو.
وقد علق تيد غالين كاربنتر نائب رئيس معهد كيتو لشؤون دراسات الدفاع
والسياسة الخارجية على إعلان استقلال الإقليم بمقال تحت عنوان " قنبلة
استقلال كوسوفو" بقوله " يخلق إعلان استقلال كوسوفو عن صربيا مشاكل خطيرة
على جبهات متعددة. إن قرار واشنطن والبلدان الرئيسة في المجموعة الأوروبية
بتشجيع انفصال كوسوفو سوف يسجَّل كأحد الأخطاء الفادحة في السياسة
الخارجية. فإعلان برشتينا الاستقلال من جانب واحد، يسجل سابقة مقلقة في
نظام دولي مليء بالحركات الإقليمية الانفصالية العديدة. بلدانٌ كبيرة مثل
روسيا والهند والصين تشعر بالقلق بسبب أقلياتها الإثنية والسياسية
المتململة والتي يمكن أن تسعى إلى تقليد كوسوفو. روسيا قلقة بشكل خاص
بالنسبة للشيشان؛ والهند قلقة بالنسبة لكشمير، والصين قلقة بشأن زينجيانغ
والتبت وتايوان. إن شعور بكين بعدم الارتياح فيما يتعلق بسابقة كوسوفو
وتأثيرها على تايوان لم تخففه التهنئة الفورية التي وجهتها تايبيه إلى سكان
كوسوفو والتأكيد الذي صدر عنها بوجوب احترام الأمم المتحدة لمبدأ حق تقرير
المصير، أي، مطالب تايوان للاستقلال والسيادة.
ولكن هناك مطالب انفصالية ممكنة في قلب أوروبا نفسها. قبرص—وهو أمر
مفهوم—تعارض حركة كوسوفو إذا أخذنا في الاعتبار ادعاءات الجمهورية التركية
في شمال قبرص. تركيا التي أقامت الجمهورية التركية في شمال قبرص لها ما
يقلقها من القضايا بالنظر إلى الانتفاضة المتواصلة التي يقوم بها
الانفصاليون الأكراد. إسبانيا قد تصبح أقل انبهاراً بالنسبة لحركة برشتينا
إذا كان من شأن ذلك أن يشجع انفصاليي إقليم الباسك على تشديد حملتهم
العنيفة. ولندن التي تبارت مع واشنطن في حماسها لاستقلال كوسوفو، قد تجد من
الأسباب ما يجعلها تشعر بالأسف إذا ما قررت اسكتلندا الحصول على الاستقلال.
وبإيجاز، فإن واشنطن ودول المجموعة الأوروبية الكبرى الثلاث—بريطانيا
وفرنسا وألمانيا—قد خلقوا مشاكل دولية عديدة نتيجة سياستهم تجاه كوسوفو.
الحكومات الثلاث جميعها تزعم بأن وضع كوسوفو هو وضع فريد ولا يشكل سابقة،
بيد أن هذا القول ساذج إلى حد يفوق الوصف، وبلدان أخرى متنفذة لا تتفق مع
ذلك القول بشكل واضح.
ومع أن الحكومات الحالية قد تقلق بالنسبة لمشاكل انفصالية، فإن هناك
إمكانيات هائلة بأن تستخدم بعض البلدان سابقة كوسوفو لخلق المتاعب. تستطيع
موسكو في يوم من الأيام أن تشير إليها كسابقة لتمزيق وحدة أراضي جورجيا
المجاورة عن طريق الاعتراف باستقلال أبخازيا المتصلة بجورجيا أو إقليم جنوب
أوسيتيا، أو يمكن للكرملين أن يستخدمها كمبرر في يوم من الأيام لوضع يده
على القرم التي يتحدث سكانها اللغة الروسية وأخذها من أوكرانيا الجارة.
السوابق الدولية ليست النتائج السلبية الوحيدة المحتملة من خطوة كوسوفو.
فبتجاوز مجلس الأمن الدولي بطريقة خبيثة، وبالتالي تجاوز حق الفيتو الذي
تتمتع به روسيا، وبتشجيع إعلان الاستقلال من جانب واحد، فقد ساهمت القوى
الغربية في مزيد من تسميم علاقاتها المضطربة أصلاً مع موسكو. فما زال الروس
يستشعرون وطأة إقدام دول الناتو على تجاوز مجلس الأمن في عام 1999 عندما
هاجموا صربيا وفصلوا كوسوفو عن سيادة بلغراد. والآن، أظهرت الدول الغربية
احتقارها مرة أخرى لوجهات نظر روسيا وأوضحت بأنها لا تحترم صلاحيات مجلس
الأمن إلا إذا كان الأمر مناسباً لها.
وقد تكون المغامرة في مزيد من التوتر مع موسكو مبرراً لو كان الأمر يتعلق
بقضية مهمة، ولكن أن تفعل الدول الغربية ذلك حول موضوع جانبي يتعلق بالوضع
السياسي لكيانٍ بلقاني بالغ الصغر هو أمر أكثر حماقة".
خامساً – البرنامج النووي الإيراني :
والمشكلة الأخرى والتي مازالت معلقة بين الجانبين هي إصرار الولايات
المتحدة على إتخاذ موقف من خلال الأمم المتحدة لوقف البرنامج النووي
الإيراني الذي يصل بها إلى إنتاج أسلحة نووية. فمن جانبها تأمل واشنطن في
الحصول على دعم روسي لمسعاها الرامي لاستصدار قرار دولي فعال من الأمم
المتحدة, يهدد إيران بفرض عقوبات دولية عليها, بل ربما يصل إلى التهديد
باستخدام القوة ضدها, فيما لو لم ترتدع وتتراجع عن برامجها وأنشطتها الخاصة
بتخصيب اليورانيوم. بيد أن موافقة روسية على خطوة كهذه, لا تلوح بوادرها
بعد في أفق ومناخ التوتر والشد والجذب القائم الآن بين موسكو وواشنطن. بل
ليس ثمة شطط ولا مجافاة للحقيقة والمنطق في القول إنه لولا الدعم النسبي
الذي تتمتع به إيران من قبل كل من روسيا والصين إلى حد ما, لكانت طهران قد
واجهت المصير نفسه الذي لحق بجارتها بغداد. وعلى الرغم من أن هذا الخطر لا
يزال قائماً ومحتملاً, إلا أنه في الإمكان التقاط التبرم والضيق الأميركي
مما ترى فيه واشنطن عقبة روسية أمام استصدار قرار بذلك المعنى من مجلس
الأمن الدولي إذ ترفض روسيا وكذا الصين ومجموعة مهمة من الدول الوسطى أي
تحرك عسكري ضد إيران.
وقد أصبحت الأازمة النووية الإيرانية واحدة من القضايا التي تثيرها الإدارة
الأمريكية مع روسيا التي تعدها أمريكا الحليف العسكري لإيران، في سعي منها
لفك طلاسم ذلك الحلف ومنع تصدير التكنولوجيا النووية إلى إيران، لما في ذلك
من تهديد للمصالح الأمريكية والغربية في الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط
بشكل عام خاصة فيما يتعلق بأمن إسرائيل . وفي ضوء استمرار روسيا على موقفها
الداعم لطهران بامتلاك التقنية النووية وإنشائها المزيد من المفاعلات
النووية الإيرانية ، فلم يكن مستبعداً لجوء الكونغرس الأمريكي إلى صياغة
قانون يفرض حظراً على الشركات الروسية المتعاملة مع طهران .
سادساً – الحرب في العراق :
تابعت موسكو باهتمام شديد الأحداث في العراق منذ بداية التصعيد الأمريكي ضد
بغداد ومن ثم غزو قوات التحالف للعراق عام 2003.وكانت الإدارة الروسية قد
بذلت جهودا مكثفة للحؤول دون اجتياح العراق فقد أدلى الرئيس فلاديمير بوتين
ووزير خارجيته ايغور ايفانوف قبيل الحرب بتصريحات قالا فيها : إن روسيا
ستلجأ لكل السبل المتاحة أمامها لمنع وقوع حرب في العراق، ولوحا بإمكانية
استخدام حق الفيتو ضد أي مشروع قرار يبيح غزو بغداد. كما أيدت روسيا خطة
ألمانية فرنسية جرى وضعها آنذاك لتفادي الحرب ضد العراق. لكن بعض المراقبين
رأى أنه كان هناك إجماع بين الساسة الروس على وجوب تفادي وقوع مواجهة بين
موسكو وواشنطن لعدة عوامل أهمها أن الفيدرالية الروسية لم تكن قد استكملت
بعد سبل قوتها على الصعيدين الداخلي و الخارجي .
فبالرغم من أن روسيا أبدت قلقا وانزعاجا مما حدث و يحدث في العراق إلا انه
بلا شك أسعدها هذا التورط الأميركي ودرس العراق القاسي، ويحدوها الأمل في
أن يؤدي فشل واشنطن في العراق إلى انكماش طموحاتها الإمبريالية عقدا أو
عقدين، وهي الفترة التي تحتاجها روسيا لتقف على قدميها وتستعيد نفوذها
الدولي بقدرة تنافسية لا تعرقلها انشغالات ترتيب البيت الروسي من الداخل.
وبعد وقوع العراق تحت الاحتلال حدد الرئيس بوتين موقف بلاده من الوضع في
العراق. وهو : "الحفاظ على وحدة العراق، وتسوية الأزمة العراقية سياسيا
بمشاركة جميع أطياف المجتمع العراقي" . وأكد على الجانب الدولي للأزمة
العراقية " التي قد تتحول إلى أزمة إقليمية.ما يتطلب بذل جهود دولية منسقة
لحلها ". داعيا إلى " عقد مؤتمر دولي لتسوية الأزمة العراقية. تستضيفه
موسكو"مشيرا إلى أن روسيا " اعتبرت دخول قوات التحالف إلى العراق خطأ منذ
البداية ".
وتجدر الإشارة إلى أن روسيا فقدت مزايا عدة إثر الغزو الأميركي للعراق، كان
أهمها خسائر نحو عشر شركات نفطية على رأسها تاتنفت وسيبنفت وزاروبيج نفت
ولوك أويل. وعملت الشركتان الأخيرتان في جنوبي العراق في حقول يزيد إجمالي
احتياطيها
على 14 بليون برميل، وبعقود قيمتها نحو ستة مليارات دولار.
وكانت شركة لوك أويل -أكبر شريك روسي في هذا المجال- دخلت العراق في عام
1997 , غير أن واشنطن أدرجتها قبيل سقوط بغداد في إبريل/نيسان 2003 على
اللائحة السوداء التي تحرم فيها من الاستثمار في حقول النفط العراقية شركات
الدول التي عارضت الحرب.
ومن زاوية أخرى تعطلت الشراكة الاقتصادية مع العراق بعد أن كانت موسكو وقعت
بالفعل مع بغداد قبل الغزو عقودا قيمتها 40 مليار دولار لإتمام أكثر من
مائة مشروع بأيد روسية. كما كانت روسيا المصدر الأول للمعدات الصناعية
والزراعية الثقيلة، ومصدر توريد وتشغيل محطات توليد الطاقة في مواقع عراقية
مختلفة مازال بعض الفنيين الروس يعملون في ثلاثة منها في المسيب وبغداد
والناصرية. هذا بالإضافة إلى صفقات الأسلحة الضخمة مع النظام العراقي
السابق .
سابعاً – عمليات طرد الدبلوماسيين :
دشنت الولايات المتحدة وروسيا في آذار 2001 مرحلة جديدة من حرب التجسس بين
البلدين باشتداد حمى الطرد الدبلوماسي للعاملين في سفارتي البلدين في كل من
واشنطن وموسكو وتسخين لهجة الاتهامات المتبادلة . فقد ردت موسكو على قرار
اتخذته واشنطن بإبعاد (50) دبلوماسياً روسياً بقرار مماثل شمل طرد أربعة
دبلوماسيين أميركيين وان يغادر 46 دبلوماسيا أميركيا الأراضي الروسية لاحقا
ووجهت لهم نفس التهمة (القيام بنشاطات لا تتوافق ومهماتهم)، أي أن تهمة
التجسس وجهت إلى هؤلاء الدبلوماسيين الأميركيين، وتوعدت موسكو باتخاذ
تدابير أخرى ضد واشنطن .
وقرار الولايات المتحدة الذي صدر بإبعاد قرابة خمسين من الدبلوماسيين الروس
جاء بعد اقل من شهر على توقيف روبرت هانسن موظف مكتب التحقيقات الفدرالي
(اف بي آي) الذي اتهم بالعمل جاسوسا لفترة امتدت لأكثر من 15 عاما لصالح
الاتحاد السوفيتي وروسيا , وكان "هانسن" موظف الـ"إف. بي. آي"، قد تم
إيقافه في 18 من شباط 2001، ويعتقد أنه سلم منذ أكتوبر 1985 عددا لا يحصى
من الأسرار إلى روسيا من بينها العديد من الأسرار الدفاعية.
ويعتبر الإجراء الذي اتخذته الولايات المتحدة أول عملية طرد واسعة النطاق
لدبلوماسيين روس منذ 1986 عندما طالبت الإدارة الأمريكية برئاسة "رونالد
ريجان" باتخاذ خطوات لتقليص الوجود الدبلوماسي الروسي في الولايات المتحدة
الأمريكية.
وكانت الصحف الروسية قد انتقدت قرار واشنطن بطرد دبلوماسيين روس , وربطته
بضغوط أميركية على روسيا : فذكرت صحيفة "فريميا " أن "فضيحة الجواسيس ليست
سوى ذريعة لطرد الدبلوماسيين الروس، فالولايات المتحدة تريد إرغام بوتين
على مراجعة سياسته الخارجية، والموافقة على وجود عالم من قطب واحد". أما
صحيفة "ازفستيا" فأشارت من جهتها إلى أن "الولايات المتحدة لا تشن حربا
باردة، وإنما تحاول، بغضب، أن تدلنا على موقعنا". وأضافت أن "الإدارة
الأميركية الجديدة لا تحب بوتين كثيرا ولا المقربين منه خريجي الـكي جي. بي".
أما صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" فقد عرضت في صدر صفحتها الأولى صورة لجورج
بوش إلى جانب صورة للرئيس رونالد ريجان، وأشارت إلى أن الرئيس الجديد "بدأ
علاقاته مع روسيا على طريقة ريجان".
وأضافت الصحيفة أن استقبال "وزير الخارجية الشيشاني" إيلياس أحمدوف في
واشنطن وتقارب الولايات المتحدة مع جورجيا "يندرجان في إطار المنطق الجديد
للعلاقات الروسية الأميركية".
كذلك ألقت أزمة الثقة بين روسيا والغرب بظلالها على العلاقات بين موسكو
ولندن . ففي صيف عام 2007 قررت روسيا طرد أربعة دبلوماسيين بريطانيين من
موسكو ردا على قرار بريطانيا طرد أربعة دبلوماسيين روس على خلفية قضية مقتل
عميل روسي في لندن في العام 2006.
والواقع أن العلاقات بين روسيا وبريطانيا متوترة منذ أن تم تسميم ، ألكسندر
ليتفينينكو الجاسوس الروسي السابق بمادة مشعة في لندن تشرين الثاني (2006)
وطالبت الحكومة البريطانية روسيا بتسليم اندريه لوجوفوي المشتبه فيه
الرئيسي في مقتل ليتفينينكو إلا أن روسيا رفضت ، فجاء رد لندن عنيفاً حيث
قامت بطرد دبلوماسيين روس أربعة في رسالة سياسية واضحة للكرملين. ،حيث
تستاء بريطانيا من رفض موسكو تسليمها لوجوفوي. على أن الإهانة الأكبر
للعدالة البريطانية هي عندما أصبح لوجوفوي نفسه عضواً في البرلمان الروسي.
إذ يرى البريطانيون أنه نظراً لسيطرة الكرملين التامة على الحياة السياسية،
فإن لوجوفوي ما كان لينتخَب لولا موافقة من أعلى.
غير أن العلاقات بين البلدين كانت سيئة أصلاً قبل هذا التجاذب. إذ طالما
شعرت روسيا بالإحباط إزاء رفض بريطانيا تسليمها رجل الأعمال بوريس
بيريزوفسكي، والانفصالي الشيشاني أحمد زكاييف، وكلاهما "مجرمان" في نظر
موسكو. فقد رفضت المحاكم البريطانية تسليمهما لروسيا على اعتبار أن التهم
تحركها دوافع سياسية. وفوق ذلك تم منح الرجلين اللجوء السياسي.
وخلال السنوات الأخيرة، بات يستشف من خطابات المسؤولين الروس أن بريطانيا
فاقت أميركا بمضايقتها لروسيا. كذلك وصف شريط وثائقي عرضه التلفزيون الروسي
خلال أوقات ذروة المشاهدة بريطانيا بأنها بلد مُعادٍ يسعى لإيذاء روسيا .
وقبل ذلك، كان شريط وثائقي آخر قد اتهم الدبلوماسيين البريطانيين بالتجسس،
وربط بينهم وبين منظمات حقوق الإنسان الروسية التي تتلقى منحاً من قبل
الحكومة البريطانية.
وكانت آخر عملية طرد دبلوماسيين بين روسيا و الغرب جرت في 8 أيار الماضي
حيث أمرت موسكو بطرد ملحقين عسكريين أمريكيين اثنين من السفارة الأمريكية
في موسكو.وقد علق مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية بقوله «طلب منهما
المغادرة. نعترض على الإجراء لكننا سنمتثل للطلب». وامتنع المسؤول عن ذكر
أسباب الطرد.
خاتمــــــة
يصاحب المراحل الانتقالية للحقب السياسية بعض المؤشرات التي تعبر عن طموحات
الدول الكبرى وصراعها للذود عن مصالحها وكلما كبر طموح الدولة اشتدت وتيرة
الصراعات التي تخوضها على المسرح الدولي الذي تحكمه المصالح ، ورغبة بعض
الأنظمة السياسية في الحكم والسيطرة والتوسع وخلق الأنظمة الموالية وتوسيع
المجالات الحيوية ومن ثم محاولة الحفاظ عليها بكافة الوسائل التي تتنوع ما
بين السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي والدبلوماسي وما يغلف ذلك من
أساليب مشروعة أو غير مشروعة تتجلى بخطوات واضحة وصريحة ومباشرة أو تتدثر
بغطاء من الغموض والسرية يصاحبها التفاف وتزوير للحقائق. وقد انحصر تأسيس
وإطلاق الحقب السياسية والتاريخية على الدول العظمى والإمبراطوريات
الكبيرة، ضمن استراتيجيات تحددها طبيعة المطامع والطموحات التي تتراوح بين
التوسع الاستعماري الصريح أو الضمني وان اختلفت المسميات ,وبين الدفاع عن
الأمن القومي الذي تتنوع أيضا فروعه وتوابعه ومقتضياته .
ضمن هذا السياق حاولنا خلال البحث إبراز أهم المؤشرات على حدوث تغيير في
العلاقات الدولية قد يؤدي في وقت ليس ببعيد إلى إنهاء حالة عدم التوازن
والقطبية الأحادية التي تسود العالم , وهذا ما أكده ، عميد كلية الاقتصاد
الدولي والشؤون الخارجية، بجامعة موسكو الحكومية سيرجيي كاراجنوف ، في
دراسة نشرت له أخيرا
في ''الغازيته'' الروسية. وعلى حد قوله، فقد دخلت كل من روسيا والولايات
المتحدة الأمريكية وأوروبا مرحلة جديدة ، حلت محل النهوض الرأسمالي
الأمريكي الكبير الذي شهدته فترة ما بعد تسعينات القرن الماضي.
وبالرغم من المحاولات التي بذلها الرئيسان بوتين وبوش خلال السنوات الماضية
للحفاظ على مستوى مقبول من التفاهم في العلاقات الروسية الأمريكية فان
العوامل الموضوعية وهي كثيرة فرضت حتمية تفاقم الخلافات بسبب تضارب المصالح
والسياسات.فالولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت القوة العالمية الوحيدة
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تريد ان تتمتع بأحادية القطب وفرض قيمها في
العلاقات الدولية بما ينسجم مع مصالحها ورؤيتها للعالم . وكان من الطبيعي
ان يصطدم الجنوح الأمريكي الاستراتيجي بإعادة رسم خريطة العالم مع رغبة
روسيا في استعادة هيبتها واستنهاض قدراتها الاقتصادية والعسكرية وبالتالي
الذود عن مناطق نفوذها ومصالحها في العديد من المناطق وبخاصة رابطة الدول
المستقلة.
ويرى بعض المراقبين أن من الخطأ القول بان ما نشهده هو حرب باردة، فالحرب
الباردة كانت حرباً حول الأيدولوجيا في الأساس تدور بين قوتين متنافستين
تمتلك كل منهما رؤية مختلفة لبسط نفوذها على العالم.
وان تلك الاتهامات والتراشقات الكلامية التي تندلع بين روسيا وأميركا من
وقت لآخر، لا يمكن اعتبارها حرباً باردة لأنها تعكس وجود نزاعات محدودة
يمكن حلها إذا ما امتلكت الدولتان البراعة السياسية والإرادة لوضع الأمور
في نصابها الصحيح. أما التنبؤات بنشوب حرب باردة جديدة بين الدولتين فليست
سوى نوع من المبالغات السياسية.
قد لا يستطيع مراقب الجزم بعودة الحرب الباردة إلى أفق العلاقات الروسية
الغربية فقد حدثت متغيرات كثيرة على الساحة الدولية, لكن تلك المؤشرات التي
أسلفنا ذكرها تنبئ عن إعادة اصطفاف للجبهات الدولية ما يخفف من الضغط الذي
تشكله هيمنة القطب الواحد على العالم وتبشر برياح تغيير قوية تعيد التوازن
لكوكبنا .
مصادر البحث
1- وكالة نوفستي الروسية .
2- وكالة ايتار تاس الروسية .
3- قناة روسيا اليوم الإخبارية الروسية .
4- موقع مايل رو الروسي .
5- موقع الحوار المتمدن .
6- موقع مصباح الحرية .
7- مجلة شؤون الأوسط .
8- موقع إسلام اون لاين .
9- موقع الجزيرة نت .
10- صحيفة الشرق الأوسط اللندنية .
11- صحيفة الأهرام المصرية.
12- صحيفة الاتحاد الإماراتية.
13- صحيفة الحياة اللندنية.
14- صحيفة القدس العربي اللندنية .
15- موقع ويكبيديا .
16- موقع BBC
إشراف
د. عبدالله الطوالبة
إعداد
د. نعمان بكر - جميل البرماوي