القرار  1650 ...خطوة إسرائيلية جديدة في سياسة الاستيطان الإحلالي.

المحتويـــــــــــــــــــات

-        تمهيــــــــــــــــــــــــــــد.

-        استعمار إحلالي.

-        تهجير بقوانين قاسية .

-        الإبعاد في القانون الدولي .

-        حزم في مواجهة القرار .

تمهيــــــــــد :

سلسلة طويلة من القوانين العنصرية اتخذتها الحكومة الإسرائيلية الحالية بحق الإنسان الفلسطيني بُغية اقتلاعه من أرضه وطرده منها بشتى الوسائل والأدوات دون أي رادع يمنعها من المضي في هذه الإجراءات ويجبرها على القبول بالقرارات الدولية الصادرة عن المجتمع الدولي .

 

آخر هذه القرارات ،القرار الصادر عن الجيش الإسرائيلي ونشرته الصحف العبرية وتحديدا "هآرتس" الأحد الماضي (8/4/2010) ويقضي بإبعاد الآلاف من المواطنين الفلسطينيين وتقديمهم للمحاكمة بتهمة التسلل إلى الضفة الغربية ، ويحمل القرار الرقم 1650 . طردهم أصحاب الأرض الأصليين وفق نهج يعتمد سياسة التطهير العرقي كخطوة لترحيل جماعي الهدف منها تفريغ الأرض الفلسطينية من أهلها أو معظمهم كحد أدنى . واستخدام هذه السياسة في مرحلة لاحقة وتوظيفها لتكون أداة لتنفيذ غايات وأهداف سياسية لفرض أمر واقع وجعله أداة ضغط عند البدء بأية مفاوضات مستقبلية .

 

استعمار إحلالي :

ثمة رؤية إسرائيلية واضحة لها منطقها وأدواتها في سبيل حل المشكلة الديمغرافية التي تواجهها اسرائيل ، وللمشكلة وفق هذه الرؤية حل نهائي وجذري واحد في العقلية اليهودية ، حل يتأرجح وفق السياسة الإسرائيلية المتبعة بين حد أعلى مثل الاعتداءات وعمليات القتل والإبادة وحل أدنى مثل التضييق والحصار . رغم إختلافها في الأدوات والمستويات التنفيذية إلا أنها تنبع في أصلها من رؤية إيديولوجية ثابتة هي رؤية الترحيل والإحلال. وبناء عليه فقد قدمت العديد من الصيغ والمشاريع الصهيونية لترحيل الفلسطينيين وإحلال اليهود مكانهم ، وكان عدد من هذه المشاريع متداولاً ومثار جدل بين الأوساط الصهيونية حتى قبل قيام دولة إسرائيل عام (1948) .

 

الفكرة الأساسية التي تنطلق منها الحركة الصهيونية أن اليهود شعب واحد بلا أرض وأن فلسطين أرض بلا شعب ، وبالتالي فإن فلسطين هي المسرح الذي يتحقق فيه المشروع الصهيوني . وبالتالي غدا إفراغ فلسطين من سكانها هو الهدف الأكبر لهذه الحركة . ولكي يتحقق هذا الحلم تبنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خططاً وتكتيكات متنوعة ، ولم يكن العنف المسلح واجتياحات الجيش الإسرائيلي للمدن والقرى الفلسطينية هي الطريقة الوحيدة لتنفيذ هذه الخطة ، بل مارست هذه الحكومات وسائل أخرى ، مثل تبني سياسات التوسع الاستيطاني وإحلال اليهود المهاجرين في مستوطنات محل السكان الأصليين واعتماد أسلوب المعازل ، ليصبح من أهم أهداف المستوطنات قطع التواصل بين المناطق السكنية للفلسطينيين لينقطع الاتصال بين المراكز الفلسطينية الأساسية ، وخلق واقع جديد على الأرض ، وإصدار قوانين تتعلق بتهجير وإبعاد مواطنين أصليين كما حدث في القرار الأخير الصادر عن الجيش الإسرائيلي .

 

غير أن مختصين يرون أنه برغم نجاح معظم التجارب الإحلالية في التاريخ في حل مشكلتها الأساسية على حساب السكان الأصليين بعدة طرق مثل التهجير أو الإبادة أو التزاوج مع السكان الأصليين ، ولكن التجربة الاستيطانية الصهيونية تختلف عن معظم التجارب الإحلالية لأسباب عدة منها :

 

-    إن التجربة الصهيونية هي آخر التجارب الإحلالية وفق الترتيب الزمني حيث بدأت في زمن متأخر نوعاً ما عن التجارب السابقة .

-    أن التجربة الصهيونية لم تتم كما سواها من التجارب في المناطق النائية من العالم القديم ، وإنما تمت في وسط المشرق العربي الذي يقع في قلب العالم ويشهد كثافة سكانية وعمقاً حضارياً لا يستهان به (1).

 

وبالتالي كان حل التهجير صعباً إلى حد ما ، كما أن حل الإبادة يكاد يكون مستحيلاً ، والتزاوج بين العرب واليهود أمر غير مطروح أصلاً . كل ذلك من شأنه أن يجعل المسألة الفلسطينية مستعصية عن الحل وفق المنهج الاستيطاني الإحلالي .

 

 

تهجير بقوانين قاسية :

      ذكرت صحيفة هآرتس العبرية في عددها الصادرة يوم الأحد (8/4/2010) أن الجيش الإسرائيلي اصدر أمرأ عسكرياً لإبعاد الآلاف من المواطنين الفلسطينيين وتقديمهم للمحاكمة بتهمة التسلل إلى الضفة الغربية (2).

 

          القرار الإسرائيلي العسكري الموقع من قبل ما يسمى بقائد الضفة الغربية " جادي شمني " والذي يحمل عنوان " قرار يهدف لتهجير الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية بعد تصنيفهم تحت اسم متسللين " ويحمل رقم (1650) هذا القرار يصف عشرات آلاف الفلسطينيين بمتسللين ومتجاوزين للقانون .

 

ووفق ما نقلته الصحفية الإسرائيلية " عميرة هس " فإن أول من سيطبق عليهم القرار هم كل المدونين في هوياتهم الشخصية أن عنوانهم هو قطاع غزة ويشمل من ولدوا في قطاع غزة وأولادهم من مواليد الضفة الغربية ، كما سيطبق القرار على الفلسطينيين المولودين في الضفة الغربية أو في الخارج ولأسباب مختلفة خسروا المواطنة حسب قرارات الاحتلال الإسرائيلي ، والأجانب المتزوجين من فلسطيني أو فلسطينية (3) .

 

ويعرّف القرار الجديد المتسلل بأنه : " كل من دخل الضفة الغربية بشكل غير قانوني ، أو المتواجد في المنطقة ولا يوجد لديه الوثائق القانونية (4) .

 

وفي الواقع فإن هذا القرار يشكل توسعة لمن شملهم القرار المشؤوم رقم (2) لعام (1969) والذي طبقه الجيش الإسرائيلي ضد كل من دخل المنطقة بشكل غير قانوني وكان في دولة معادية مثل لبنان وسوريا والأردن حسب نص القرار آنذاك .

 

ووفقاً للقرار العسكري فإن كل من يتواجد في الضفة الغربية بشكل " غير قانوني " أو بدون تصريح ساري المفعول
هو مرتكب لجنحة جنائية وسيعرض نفسه للطرد أو للسجن الذي سيصل وفقاً للقرار لمدة (7) سنوات .

 

هذا القرار وكما سبق ذكره ، يعيد ما سبق لسلطات الاحتلال من قرارات كانت اتخذتها في السابق ، وسيترتب عليه نتائج إلزام الفلسطينيين في مختلف مناطق الضفة الغربية الحصول على تصاريح خاصة للانتقال من مكان إلى آخر . وسيكون من نتائجه وجوب حصول الفلسطينيين المتواجدين بمحاذاة الجدار الفاصل
أو الذين تقع أراضيهم داخل الجدار ضرورة الحصول على تصاريح خاصة ، كما سيؤثر الأمر على الفلسطينيين الذين تواجدوا في الضفة الغربية والقدس لغاية الاستماع لطلباتهم المتعلقة بجمع الشمل وما يعنيه ذلك من تفكيك المئات بل الآلاف من الأسر الفلسطينية بسببه .

 

غير أن البعد الأخطر في القرار الإسرائيلي ، من ناحية المضمون ، يتمثل في سحب صلاحيات قرار الإبعاد من قبل
ما يسمى " الإدارة المدنية " الإسرائيلية ، ومن المحاكم المدنية الإسرائيلية ومنحها إلى الجهات العسكرية ، بمعنى أن أي ضابط إسرائيلي ، بات عقب هذا القرار يملك صلاحية توقيف أي فلسطيني وإصدار أمر فوري بإبعاده (5) .

 

وبحسب ما جمعته مصادر صحفية من معلومات فإن القرار الإسرائيلي يمكن أن يتوسع ليشمل الحالات التالية :

-         توسيع مفهوم العائلات الفلسطينية المخالفة وإطلاق مصطلح " متسللين " عليها .

-    القرار يعطي الجيش الإسرائيلي المجال لمواصلة التوغل في الأراضي الفلسطينية بحجة البحث عن
 " مخالفين " .

-         سيفتح القرار المجال أمام الجيش الإسرائيلي لسرعة اعتقال وترحيل المتضامنين الأجانب ساعة اعتقالهم .

-         هناك غموض متعمد يهدف إلى وضع الفلسطينيين في متاهة دائمة بشأن القرار (6).

-    من أهداف القرار الرئيسة التضييق على الغزيين المقيمين في الضفة الغربية حيث ما زالت سلطات الاحتلال تتخذ مختلف الإجراءات والتدابير لمنع سكان القطاع من العمل أو السكن أو الدراسة أو حتى زيارة الضفة الغربية . 

 

الإبعاد في القانون الدولي :

      تعتبر عمليات التهجير والترحيل والإبعاد أحد الركائز الأساسية للعقيدة الصهيونية التي تترجمها بشكل عملي الحكومة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ، بهدف جلب اكبر عدد ممكن من اليهود وتوطينهم في الأراضي الفلسطينية . ولقضية الإبعاد جانب قانوني يوضح بشكل دقيق حجم الخرق الفاضح للقانون الدولي الذي مارسته وتمارسه إسرائيل .

 

تنص المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة للعام (1949) على أنه لا يجوز لسلطة الاحتلال ممارسة الإبعاد الجماعي أو الفردي أو الترحيل القسري إلى أراضي دولة أخرى ، مهما كانت الأسباب والظروف . وهناك اسبقيات على تنفيذ هذه المادة وصدور قرارات بشأنها كان أبرزها القرار (799) الصادر بتاريخ (8/12/1992) حيث دان مجلس الأمن الدولي إبعاد إسرائيل مئات الفلسطينيين إلى مرج الزهور في الأراضي
 اللبنانية . كما جاء في نص القرار المذكور أعلاه : " إن المجلس يرفض الإجراء الذي اتخذته إسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال بإبعاد مئات المدنيين الفلسطينيين ، ويعرب عن معارضته الثابتة لأي إبعاد تقوم به إسرائيل من هذا القبيل " . كما أعاد مجلس الأمن في قراره المذكور في فقرته الثانية على " تأكيد انطباق اتفاقية جنيف الرابعة المعقودة بتاريخ (12/8/1949) على جميع الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل بما فيها القدس ، ويؤكد أن إبعاد المدنيين يشكل خرقاً لالتزاماتها بموجب الاتفاقية (7) .

 

وعلاوة على ذلك ، فإن اتفاقية جنيف الرابعة المذكورة آنفاً ، جزء من الاتفاقات الأربعة التي وضعت لتشريع أوضاع أسرى الحرب وجرحى الحرب والمعتقلين ، وجاء في المواد (50 ، 51، 30 ، 147) من الاتفاقية جملة من النصوص اعتبرت جميعها عدداً من الأعمال تشكل انتهاكاً خطيراً للاتفاقية الدولية بصرف النظر عن أي سبب كان بما فيها الدوافع الأمنية . وكان
" الإبعاد " يذكر دائماً في مقدمة الأعمال التي يرفضها القانون الدولي .

 

كما شددت هذه القرارات الدولية على إلزام قوات الاحتلال بالمحافظة على وحدة الإقليم المحتل . وتحظر كذلك المادة (7) من  النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على حكومة الاحتلال تسفير أو إبعاد المواطنين قسراً.

 

وهنا يجدر التنبيه إلى قضية في ذات الخطورة لها مساس مباشر بعملية الإبعاد في حال تنفيذها ، وهي أن قرار الإبعاد إذا نُفذ فإنه سيشكل ضربة قوية للقرار (194) الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين ، وسيضعف عملياً هذا الملف ويثقله بالمزيد من المشردين والمرحلين عن وطنهم . ناهيك بالطبع عن المزيد من المستوطنات والتوطين .

 

حزم في مواجهة القرار :

بعد إعطاء محكمة العدل العليا الإسرائيلية الضوء الأخضر للجيش الإسرائيلي لتنفيذ عمليات إبعاد " محدودة " في إطار العقوبات الجماعية التي تمارسها ضد الفلسطينيين ، توالت عمليات الرفض والإدانة لهذا القرار . فمن جهة اعتبرته السلطة الوطنية الفلسطينية " جريمة حرب أخرى تقدم عليها إسرائيل إلى جانب كونه خرقاً للاتفاقات الموقعة "(8) .

 

كذلك دعا مجلس الجامعة العربية إلى " التصدي وعدم الانصياع " للقرار الإسرائيلي ، كما دعت الجامعة إلى عقد جلسة عاجلة للجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث مخاطر هذا القرار الإسرائيلي والعمل على وقفه (9).

 

ونتيجة للروابط الخاصة التي تربط الأردن بالشعب الفلسطيني فإن الموقف الأردني ، وعلى كافة المستويات ، كان
هو الأكثر حزماً وصلابة في مواجهة هذا القرار خصوصاً وأن الأردن هو من أكثر المتضررين من هذا الإجراء .

 

القرار تزامن مع الزيارة التي يقوم بها جلالة
 الملك عبدالله الثاني إلى واشنطن ، ومن هناك وخلال سلسلة اللقاءات التي أجراها جلالته مع أعضاء في الكونغرس الأمريكي وعدد من راسمي السياسة الأميركية ، أكد جلالته خطورة الإجراءات الإسرائيلية الأحادية ، مؤكداً جلالته ضرورة وقف هذه الإجراءات التي تستهدف تغيير الحقائق على الأرض . كما أكد جلالته أن استمرار الوضع الحالي يولد مزيداً من التوتر مما يجعل مستقبل المنطقة وشعوبها في خطر . وقد أشاد الجانب الأميركي بسياسة جلالة الملك عبدالله الثاني ، مؤكدا أن رؤية جلالته للسلام في المنطقة هي محل تقدير وان هناك توافقاً أمريكياً على
الطرح الذي يتقدم به جلالته في سبيل إحلال السلام في الشرق الأوسط (10).  

 

كذلك أدانت الحكومة الأردنية وفي بيان اتسم بالقوة والشدة الإجراء الإسرائيلي الأخير ، وصدر عن الحكومة بيان فضح حجم الخرق الذي أقدمت عليه الحكومة الإسرائيلية لكل الاتفاقيات والقوانين والشرائع الدولية والإنسانية . كما استدعت وزارة الخارجية السفير الإسرائيلي في عمان وسلمته مذكرة شديدة اللهجة من الحكومة حول قرار حكومة اليمين الإسرائيلي .

 

في ظل هذا الموقف الأردني الحازم والواضح وفي ظل تحرك جامعة الدول العربية ودعوتها الجمعية العامة لوقف هذا القرار ، فإن المطلوب استثمار هذا التحرك وان تمارس الدول العربية كل أشكال الضغوط على إسرائيل لتتراجع عن قرارها واتخاذ إجراءات جريئة بهذا الشأن . كما أن كافة الفصائل الفلسطينية مدعوة الآن لإنهاء حالة الانقسام واتخاذ موقف وطني واحد لمواجهة الاحتلال وسياساته التي تتربص بالجميع . 

 

 المصـــــادر

(1) - د. عبدالوهاب المسيري : ( اليهود واليهودية والصهيونية 70-82).

 (2) - موقع صحيفة هآرتس 8/4/2010.

(3) - موقع هآرتس 9/4/2010.

(4) - موقع هآرتس8/4/2010 .

(5) - تصريح نبيل شعث لصحيفة الأيام الفلسطينية 10/4/2010.

(6)-  صحيفة الأيام الفلسطينية 9/4/2010 .

(7)-  مركز الدراسات الفلسطينية ، 2000 .

(8) –    الشرق الأوسط اللندنية  15/4/2010 .

(9) –   الحياة اللندنية  14/4/2010.

(10)-  صحيفة الرأي الأردنية 15/4/2010 .

 

إعداد : رئيس قسم الدراسات

نبال الخماش

نيسان /2010