يعتبر ملف الاعلام الاردني من الملفات المهمة التي يكثر الحديث
عنها بين فترة واخرى وتنال اهتمام الصحافيين واصحاب الاختصاص،
و في اكثر من مقام أكد جلالة الملك عبدالله الثاني على اهتمامه
وحرصه على صيانة الحريّات الاعلامية والصحافية ورفع سقفها
لأنها القادرة على أن تكون عين الأردنيين على الحقيقة وملاذا،
ومنبرا نزيها للحوار والنقاش. ولا يستقيم أن تكون صحافتنا
ومؤسساتنا الإعلامية إلا حرّة ومسؤولة ، ولكن الحرية التي
يريدها جلالة الملك هي التي تأخذ مصلحة الأردن أولا ودائما قبل
أي مصلحة أخرى، وقد اثيرت قبل فترة مسألة "الاحتواء الناعم
للاعلام"، حيث قام مركز القدس للدراسات باجراء دراسة مسحية عن"
أثر الاحتواء الناعم على حرية الصحافة واستقلالية وسائل
الإعلام في الأردن"، والاحتواء الناعم كما أكدت الدراسة ينتشر
في كل دول العالم، فالحكومات تحاول بكل الوسائل المتاحة
استمالة وسائل الاعلام الى جانبها، وهناك اساليب مشروعة لاقناع
الكاتب او الصحافي بدعم سياسة الحكومة تقوم على مبدأ الحوار
وعرض الحقائق والمعلومات على ان يترك له حق تقدير الموقف الذي
يراه مناسبا، لكن المشكلة هي في اللجوء الى وسائل احتواء غير
مشروعة وغير اخلاقية لتحقيق هذه الغاية، والمسئولية في هذه
الحالة تقع على الصحافي ومؤسسته بالدرجة الاولى، وقد اسفرت
الدراسة عن نتائج اثارت الجدل في الاوساط الاعلامية، وفي هذا
التقرير نوضح نتائج الدراسة، ومناقشتها من قبل المختصين وردود
فعل الاعلاميين عليها.
ورشة عمل أثر "الاحتواء الناعم" على
حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام في الأردن:
أعلن مركز القدس للدراسات السياسية في الثامن والعشرين من شباط
2009 نتائج الدراسة المسحية التي أجراها حول أثر "الاحتواء
الناعم" على حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام في الأردن،
وجاء الإعلان عن نتائج الدراسة التي تعتبر الأولى من نوعها في
الأردن والمنطقة العربية خلال ورشة عمل نظمها المركز وشاركت
بها نحو 40 شخصية إعلامية ونيابية وحزبية ونشطاء منظمات
المجتمع المدني، وفي كلمة افتتح بها أعمال الورشة وعرض لنتائج
الدراسة، شدد مدير مركز القدس عريب الرنتاوي على أن "الاحتواء
الناعم" للإعلام والصحافة، بات الأسلوب الأكثر رواجا للحد من
حرية الصحافة والمس باستقلالية وسائل والإعلام، لافتا إلى أن
هذا الأسلوب ليس ظاهرة أردنية فقط بل ظاهرة عربية وقال "ان
الاحتواء الناعم بات ظاهرة عربية بامتياز، خصوصا في السنوات
العشر الأخيرة، والمستهدف بالاحتواء الناعم بأنماطه المختلفة،
هي مختلف فئات وشرائح النخبـة السياسيـة والاجتماعية والثقافية
وليس الصحافيين والإعلاميين فحسب ، والجهات التي تمارس هذه
الأنماط تمتد إلى القطاعين الخاص والأهلي وكافة الفاعـلين
الاجتماعيين"، وتابع ان "أخطر ما في وسائل الاحتواء الناعم أن
كلفتها قليلة وردود الفعل عليها غائبة تماما أو متواضعة إلى حد
كبير، وهي تؤسس لعلاقة زبائنيـة بين الإعلاميين والصحافيين من
جهة ، وصنّاع القرار الحكومي والسياسي من جهة أخرى، وإذا ما
أخذنا بنظر الاعتبار دخول جهات أخرى على خط الاحتواء الناعم
تصبح الخطورة مضاعفة على حرية الصحافة واستقلالية الإعلام".
نتائج الدراسة:
أظهرت نتائج الدراسة التي شملت عينة مكونة من 500 إعلامي
وإعلامية في مختلف الصحف ووسائل الإعلام الرسمي والخاص والحزبي
أن 49% من قادة الرأي في الوسط الإعلامي الأردني خضعوا لأنماط
من الاحتواء الناعم، وأن 70 % من الصحافيين والإعلاميين
يعتقدون بأن الحكومة تلجأ "بدرجة كبيرة ومتوسطة" إلى استخدام
أنماط "الاحتواء الناعم" لكسب تأييد الإعلاميين وتفادي
انتقاداتهم، ومن ابرز أنماط "الاحتواء الناعم" التي كشفت
الدراسة عنها: التعيين الدائم والمؤقت في مناصب حكومية أو شبه
حكومية (32 %)، الهبات والمنح والأعطيات المالية (17%)، منح
المعلومات لصحافيين وإعلاميين محددين (7 %)، الدعوة لحضور
لقاءات واجتماعات مع كبار المسئولين (6 %)، الإعفاءات الجمركية
والعلاج خارج إطار أنظمة التأمين الصحي والمنح الدراسية
للأبناء والأقارب بنسبة (3 %)، وأظهرت نتائج الدراسة التي
أجريت في الفترة من تشرين أول 2008 وحتى شباط 2009، بدعم من
الصندوق الكندي، وجود جهات أخرى غير حكومية تمارس أساليب "الاحتواء
الناعم" على الصحافيين حيث أفاد 83% من المستطلعة آراؤهم بوجود
هذه الجهات وأبرزها رجال الأعمال (96 %)، شخصيات نافذة (90 %)،
نواب وأعيان (70 %)، مؤسسات مجتمع مدني (64 %)، أحزاب سياسية
(51%)، أجهزة أمنية (38 %)، وجهاء عشائر (35%) وآخرون (18%) .
ويؤكد 43% من الصحافيين أنهم تعرضوا (شخصيا) لأنماط من
الاحتواء الناعم من جهات مختلفة: (40%) من الحكومة، (26%) من
رجال أعمال، (11%) من مؤسسات مجتمع مدني، (6%) من الأحزاب
السياسية.
وتشير الدراسة إلى أن (58 %) من الذين تعرضوا لأنماط الاحتواء
الناعم قالوا أنهم وعدوا بالحصول على هبات ومنح مالية، و(27 %)
وعدوا بالحصول على وظيفة أو منصب حكومي وشبه حكومي، و(5 %)
علاج وتعليم وإعفاءات جمركية، و( 2%) تلقوا وعودا بالسفر
والسياحة.
وتناول الجزء الثاني من الدراسة المضايقات التي يتعرض لها
الإعلاميون، إذ أشارت النتائج إلى أن ثلث العاملين (34 %) في
حقل الصحافة والإعلام أفادوا بأنهم خضعوا لشكل واحد أو أكثر،
من أشكال الرقابة على عملهم خلال السنوات الثلاث الماضية، من
جانب الجهات التالية: المؤسسة الإعلامية ذاتها (81 %)، رقابة
المجتمع - مؤسسات دينية وعشائرية (54 %)، الحكومة عدا الأجهزة
الأمنية (51 %)، الأجهزة الأمنية (38 %) ورقابة المعلن (32 %).
وأظهرت الدراسة أن أهم المواضيع التي تعرض الصحافي أو الإعلامي
للمضايقة عليها، هي: انتقاد الأجهزة الأمنية (74 %)، الوحدة
الوطنية (73 %)، قضايا الحريات العامة (71 %)، انتقاد زعماء
الدول العربية (70%)، قضايا دينية (64 %)، نقد الحكومة
الأردنية (60 %)، انتقاد زعماء الدول الأجنبية (44 %)، القضايا
المتعلقة بالجنس (43 %)، وأخيرا المشكلات الاقتصادية (23 %).
كما أظهرت النتائج أن ثلثي (67 %) الصحافيين والإعلاميين أيدوا
تخلي الحكومة عن حصتها في ملكية الصحف، كما أيدت النسبة نفسها
(67%) مبدأ إلزامية العضوية في نقابة الصحافيين، وأيد أكثر من
نصف الصحافيين (58 %) وجود نقابتين منفصلتين، واحدة للصحافيين
والإعلاميين والثانية لمالكي المؤسسات الإعلامية والصحافية،
ويعتقد( 92 %) من الصحافيين أن أكبر مشكلة تواجه الصحافيين
والإعلاميين، هي تدني الرواتب والأجور، تليها (85 %) مشكلة
التمييز وعدم تكافؤ الفرص، ثم التركيبة الداخلية للمؤسسات وما
تنطوي عليه من عوائق (78 %)، ثم الضغوط والمضايقات بمختلف
أشكالها الأمنية والحكومية والمجتمعية (76 %)، ثم التشريعات
الإعلامية (63 %).
إلى ذلك، أيد( 45 %) عودة وزارة الإعلام، في مقابل( 52 %)
قوَموا تجربة إلغاء وزارة الإعلام بأنها جيدة، وجيدة جدا.
ويعمل( 81 %) من الصحافيين والإعلاميين الأردنيين في ست مؤسسات
فقط، و(41 %) منهم يعملون في أكثر من وسيلة إعلامية، والباقون
يكتفون بالعمل في مؤسسة واحدة. أما من حيث مستوى الدخل، فإن
الفئة الأوسع من الصحافيين والإعلاميين (44 %) يحصلون على راتب
شهري يتراوح بين 500 و1000 دينار، و(35 %) يحصلون على 300- 500
دينار شهريا، و(18 %) يحصلون على أكثر من ألف دينار شهريا و(3
%) يحصلون على أقل من 300 دينار شهريا.
وبينت الدراسة ان أكثر من نصف الصحافيين والإعلاميين الأردنيين
(57 %) يعملون في الإعلام المقروء، و(23 %) في المرئي والمسموع،
و(13%) في قطاع الإعلام الالكتروني و(6 %) مراسلون، ويعمل ثلث
هؤلاء (33 %) في مؤسسات مملوكة للحكومة، والثلث الثاني (31 %)
في مؤسسات ملكيتها مختلطة تهيمن عليها الحكومة بدرجة ما، و (28
%) في مؤسسات مملوكة للقطاع الخاص، و(1 %) يعملون في مؤسسات
إعلامية حزبية، و(6 %) في مؤسسات ملكيتها غير أردنية
(المراسلون).
مناقشة نتائج الدراسة:
دعا مدير مركز القدس عريب الرنتاوي لوقفة مغايرة من قبل الجسم
الصحافي لتحصين "جبهته الداخلية"، والعمل من دون إبطاء على
صياغة وتفعيل مواثيق الشرف ومدونات السلوك التي تحد من هذه
الظاهرة وتسعى لاحتوائها قبل أن تحتوي الإعلام والإعلاميين،
كما دعا لنضال نقابي لتحسين المستوى المعيشي للعاملين في قطاع
الإعلام، وأوصى المشاركون في ورشة العمل بمتابعة النتائج التي
خلصت إليها الدراسة ، وإجراء دراسات مماثلة تتناول قطاعات أخرى
من المجتمع الأردني، وحثوا على إصدار تشريعات تكفل الحد من
تفشي هذه الظاهرة، وتضمينها بنودا خاصة تجرم هذه الأنماط في
العلاقة بين الجسم الصحافي من جهة وكافة الجهات التي تمارس
أنماطا مماثلة من الاحتواء الناعم، كما دعا المشاركون إلى
إصدار مواثيق شرف إعلامية وصحافية لمواجهة هذه الظاهرة، وتضمين
المواثيق ومدونات السلوك المهني القائمة، بنودا ومواد إضافية
كفيلة باحتواء هذه الظاهرة ومنع انتشارها .
وشدد المشاركون على وجوب تحصين الجسم الصحافي من الداخل
لمواجهة هذه الظواهر، لافتين إلى الدور الخاص الذي يتعين على
نقابة الصحافيين القيام به في هذا المضمار، ودعوا في هذا الصدد
إلى تحسين الظروف المعيشية للصحافيين والإعلاميين وزيادة
رواتبهم وأجورهم حتى لا يقعوا فريسة الإغراءات المقدمة من جهات
مختلفة ، كما دعوا إلى زيادة الاهتمام بتدريب الصحافيين ورفع
كفاءتهم المهنية باعتبار ذلك وسيلة رئيسة لمواجهة امتداد هذه
الظاهرة وانتشارها، واعتبر المشاركون أن حرية الصحافة
واستقلالية وسائل الإعلام ليست مسائل مقتصرة على الجسم الصحفي
بل هي قضايا تمس في الصميم مسألة الإصلاح السياسي والتحول
الديمقراطي في الأردن، معتبرين أن تعزيز حرية الصحافة هي
مسئولية مشتركة لكل القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير
والإصلاح.
ردود
الفعل التي أثارتها نتائج الدراسة:
يرى رئيس مركز حماية وحرية الصحافيين نضال منصور أن الدراسة
كشفت عما يعرف ولا يتم التحدث عنه في الوسط الصحافي الأردني،
ويدعو لجعل نتائج الدراسة محفزا لمراجعة علاقة وسائل الإعلام
بالجهات التنفيذية ومنها الأجهزة الأمنية، فعلى مدى ست سنوات
كشفت استطلاعات الرأي التي أجراها المركز تراجعا كبيرا
للتدخلات المباشرة والفظة ضد الصحافيين في الأردن، لكن هذا
التراجع جاء لصالح أشكال أخرى من التدخل ومنها "الاحتواء
الناعم"، وحمَل المؤسسات الصحافية الجزء الأهم من المسئولية
لكونها "لم تحصن الصحافيين ضد الإغراءات نتيجة أوضاعهم المادية،
كما أنها لم تضع مدونات سلوك مهني تمنع الصحافيين من العمل في
المؤسسات الحكومية التي يقوم الصحافيون بتغطية أعمالها". وكشف
منصور عن أن 97% من الصحافيين باتوا يمارسون الرقابة الذاتية،
وقال ان جزءا مهما من هذه النتيجة يعود لأنماط الاحتواء التي
تعرض لها الصحافيون رغبة في المحافظة على مكتسباتهم.
وقال أمين سر نقابة الصحافيين ماجد توبة ان النقابة قررت إجراء
دراسة شاملة حول أوضاع الصحافيين الأردنيين بالتعاون مع مركز
الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، واعتبر توبة أن
حجم الظاهرة بحسب ما انتهت إليه الدراسة مفاجئ، لكنه اعتبر أن
أنماط الاحتواء خطيرة وتؤثر على حق الناس في المعرفة.
اما رئيس مجلس إدارة "الحقيقة الدولية" الدكتور زكريا الشيخ
فيعتقد ان التقرير يتضمن بعض التناقضات، ففي حين يؤكد ان نحو
70% من العينة اكدت وجود محاولات للاحتواء الناعم يؤكد التقرير
ذاته ان نحو 42% لم يتعرضوا مطلقا للاحتواء، مما يعتبر هذا
تضاربا في النسب الكلية للعينة المستطلع رأيها، وشدد على أهمية
إيجاد مراكز تمويل وطنية لمثل هذه الدراسات الهامة، وضرورة
متابعة ما جاء فيها .
وحول نفس الموضوع ذكر فهد الخيطان الكاتب في صحيفة العرب اليوم
ان نتائج الدراسة مؤسفة بلا شك و تستدعي وقفة لتحليلها
ومراجعتها وليس التعتيم عليها، وهذه مسؤوليـة نقابة الصحافييـن
بالدرجة الاولى، لانها الجهة المعنية بتفعيـل القانون وميثاق
الشرف الصحفي، خاصة وان غالبية الصحافيين يؤيدون استمرار العمل
بمبدأ الزامية العضوية للنقابة، لذلك فإن علينا كاعلاميين
وصحافيين ان لا نتخذ موقفا سلبيا من الدراسة او الجهة المنفذة
لان ذلك لا يفيد في المعالجة، بل ينبغي الاعتراف بالمشكلة
كخطوة اولى للتصدي للظاهرة.
د. رلى الحروب الكاتبة في صحيفة الانباط قالت ان الدراسة حافلة
بالمعلومات، فقد جاءت نتائجها لتوضح مدى انتشار سياسة الاحتواء
الناعم بين أوساط الإعلاميين وأنماطها والجهات التي تمارسها،
بالإضافة إلى استكشاف مواقف الصحافيين تجاه بعض القضايا التي
تمس مهنتهم من مثل عودة وزارة الإعلام وإلغاء المجلس الأعلى
للإعلام، وتقييمهم لدورنقابة الصحافيين وقانوني المطبوعات
والنشر وحرية المعلومات في دعم الحريات الإعلامية، وأهم
المشكلات التي تؤرقهم ، ودرجة تأييدهم لإلزامية العضوية في
نقابة الصحافيين وتخلي الحكومة عن حصتها في ملكية الصحف وإنشاء
نقابة مستقلة لمالكي المؤسسات الإعلامية.
اما الكاتب د. عبدالله عزام الجراح فيرى ان هذا المسح مهم ويجب
الوقوف عنده كثيرا للتحقق من مصداقية نتائجه أولا، ومعالجة
مواطن الخلل إن ثبت فعلا أن نتائج المسح دقيقة وعلمية،
فالصحافيون هم مرآة الوطن, يتناولون قضاياه وهمومه بكل جرأة
وشجاعة ومصداقية وموضوعية, وهم المدافعون عن كرامة المواطن
والوطن, وهم الحصن المنيع الذي يلوذ إليــه كل مظلوم, وهم
السلطة التي تحاسب وتمنع أي ظالم من التجبر والاستقواء على
المواطن، ويرجو الكاتب أن تبقى وسائل إعلامنا منارات يهتدي بها
كل باحث عن الحقيقة, وان تبقى الوجهة التي يقصدها كل مواطن لبثِ
همومه وشجونه وكما أرادها جلالة الملك عبدالله الثاني، كما
يرجو "أن تبقى وسائل إعلامنا بعيدة عن كل أشكال وأساليب
الاحتواء الناعم منه والخشن".
دور الصحافة والإعلام: تؤدي الصحافة والإعلام دورا اجتماعيا مهما في نشر
الأخبار والمعلومات والتعليقات ونشر الفكر والثقافة والعلوم في
عصر يمتاز بالتقدم التكنولوجي والتداخل الفكري والتأثير
الإعلامي، وفي عالم يشهد ثورة غير مسبوقة في تكنولوجيا الاتصال
التي أدت إلى تدفق المعلومات وما تتيحه قنوات التلفزة الفضائية
وشبكات المعلومات الإلكترونية من أخبار وتقارير لا يمكن حجبها
او إيقاف تدفقها.
وقد أكدت المادة 4 من قانون المطبوعات والنشر على دور الصحافة
، حيث نصت على ان تمارس الصحافة مهمتها بحرية في تقديم الأخبار
والمعلومات والتعليقات، وتسهم في نشر الفكر والثقافة والعلوم
في حدود القانون، وفي إطار الحفاظ على الحريات والحقوق
والواجبات العامة واحترام حرية الحياة الخاصة للآخرين وحرمتها.
أما المادة السادسة من قانون المطبوعات والنشر، فقد نصت على أن
تشمل حرية الصحافة ما يلي :
أ . اطلاع المواطن على الأحداث والأفكار والمعلومات في جميع
المجالات.
ب . إفساح المجال للمواطنين والأحزاب والنقابات والهيئات
الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للتعبير عن أفكارهم وآرائهم
وإنجازاتهم.
ج . حق الحصول على المعلومات والأخبار والإحصاءات التي تهم
المواطنين من مصادرها المختلفة وتحليلها وتداولها ونشرها
والتعليق عليها.
د . حق المطبوعة الدورية والصحافي في إبقاء مصادر المعلومات
والأخبار التي تم الحصول عليها سرية .
ولكن بالرغم من تلك الميزات العديدة فان الصحافة والإعلام سلاح
ذو حدين فهي كما تكون أداة للتنمية والتطوير، فقد تكون أيضا
أداة للتجاوز على حقوق الآخرين والتعرض لحرمة حياتهم الخاصة،
ووسيلة للشتم والتهكم والسخرية، أو أداة لصراع العقائد ووسيلة
للدعاية والحرب النفسية، مما يعني ان انحرافها وتخليها عن
المبادئ والقيم ومقتضيات الشرف والأمانة والصدق يلحق بالأمة
الضرر الكبير .
لهذا فقد كان لزاماً على الدولة أن تضع ضوابط تضمن التوافق
والتوازن ما بين حقوق وحرية الصحافة والمطبوعات وما بين
واجباتها وأخلاقياتها، وهذا ما أكدته محكمة العدل العليا في
قرارها الذي جاء فيه:
"ان تنظيم الصحافة إذا كان ضروريا لسلامة البناء الوطني، فإن
ضرورته أشد في فترات التغيير المتلاحق التي تمر بها الدولة،
حتى تبقى قوية منيعة قادرة على ممارسة دورها في كشف الأخطاء
والنقد والتنوير ، وان الإدارة لم تخالف أحكام هذا القانون
عندما ألزمت الصحف المرخصة قبل صدوره بتطبيق أحكامه، لأن
المادة (14) منه صريحة في ان هذا القانون المؤقت يسري على
الصحف الصادرة والمرخصة قبل صدوره، ولا يسري فقط على الصحف
التي يمكن أن ترخص وتصدر في المستقبل ".
ولهذا فقد جرم المشرع التجاوزات التي من شأنها المساس بمصلحة
المجتمع وحريات الآخرين، وقد جاء هذا التجريم ضمن قوانين
متعددة من ضمنها قانون المطبوعات والنشر التي اعتبرت المادة 7
منه بأن لمهنة الصحافة آداب وأخلاقيات ملزمة للصحافي ومخالفتها
تشكل جرماً جزائياً، وتشمل:
أ . احترام الحريات العامة للآخرين وحفظ حقوقهم وعدم المس
بحرمة حياتهم الخاصة.
ب. اعتبار حرية الفكر والرأي والتعبير والاطلاع حق للصحافة
والمواطن على السواء.
ج. التوازن والموضوعية والنزاهة في عرض المادة الصحفية.
د . الامتناع عن نشر كل ما من شأنه أن يثير العنف أو يدعو إلى
إثارة الفرقة بين المواطنين بأي شكل من الأشكال .
ويرى وزير الدولة لشئون الاعلام والاتصال د.نبيل الشريف ان
علينا ان ندرك ان الاعلامي العربي مطالب بأن يعمل بمسئولية
وطنية كبيرة وان يتخذ من نفسه رقيباً على أدائه، فالحرية لا
تعني الفلتان او العمل بدون ضوابط، فهناك ضوابط مهنية وضوابط
قانونية، وهناك ايضاً خصوصيات مجتمعاتنا العربية ويجب ان تكون
دائماً في ذهن الاعلامي والصحافي العربي، وايضاً علينا عدم
تقليد الآخرين بشكل مباشر وان ننظر في خصوصية مجتمعاتنا وفي
تقاليدنا، ولهذا يعتقد د.الشريف ان الصحافيين العرب مطالبون
بالإسهام في مسيرة التنوير والتنمية في الوطن العربي، وهذا لا
يمكن ان يحدث الا بقدر من الحرية، فالحكومات العربية مطالبة
باطلاق الحريات الصحفية باعتبار هذا خياراً لايمكن التراجع عنه
ولا تملك له بديلاً في هذه المرحلة، والحرية اما أنها تؤطر
داخل المجتمعات العربية أو أنها قد تفرض فرضاً من الخارج،
فالافضل لنا ان نبدأ نحن بتأطير هذه الحرية وفق خصوصيات
مجتمعاتنا، وان تسهم جميع القطاعات والفعاليات في تنمية
البلدان العربية وفي تحصينها ضد الأخطار الخارجية.
معايير حرية الصحافة والإعلام:
يرى عريب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات السياسية أن حرية
الإعلام، تجسد إلى حد كبير، المستوى الذي بلغته حرية الرأي
والتعبير في هذه الدولة أو تلك، وتعكس بدرجة أكبر، مستوى
التعددية في هذا المجتمع أو ذاك، لذلك فإنها تعد بحق مقياسا
يمكن العودة إليه عند النظر إلى المستوى الذي بلغته مسارات
التحول الديمقراطي في الدولة والمجتمع على حد سواء، كما أنها
تعد، علامة فارقة على قدرة المجتمع بمؤسساته المدنية المتعددة،
والدولة بأجهزتها وإداراتها المختلفة، على توفير أدوات
المحاسبة والمساءلة، ومنصات لتداول الحوار بين مختلف الاتجاهات
والمكونات والتيارات السياسية والاجتماعية والفكرية، توطئة
لتداول السلطة بينها. وإذ تبدو الصحافة كمرآة تعكس اللحظة
التاريخية التي يمر بها المجتمع والدولة ، فإنها تقف كشاهد على
محصلة تفـاعلات مختلف العوامـل والمكونات التي تؤثر في تطور
المسار الديمقراطي وتتأثر به.
ويضيف الرنتاوي أن "حرية الكلمة"، وهو التعبير الذي نختصر به
مجازا حرية الإعلام، ليست في واقع الحال سوى "المقدمة الأولى
للديمقراطية"، فالديمقراطية أبعد وأعمق وأشمل من أن تختصر
بهوامش حرية الرأي والتعبير، إنها تتعدى كل هذا وذاك ، إلى
فضاءات الثقافة وأنماط السلوك ومنظومات القيم ومصفوفة
التشريعات المشتقة من الدستور الحديث والعصري والمحصنة به.
وربما يكون من الصعب الحديث عن مقياس واحد لتقييم المستوى الذي
بلغته حرية الإعلام، بيد أن الدول والمجتمعات الحديثة توافقت
على جملة من المعايير إن جاز التعبير، يمكن الرجوع إليها عند
الحديث عن حرية الإعلام منها:
* مستوى السيطرة الحكومية على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة
والمقروءة . * قدرة هذه الوسائل على تمثيل مختلف مكونات
المجتمع السياسية والفكرية والاجتماعية .
* قدرة هذه الوسائل على ممارسة دورها الرقابي، سيما حين يتعلق
الأمر بأداء السلطة التنفيذية في الدولة، واستتباعا، قدرتها
على الحصول على المعلومة المناسبة في الوقت المناسب.
*مستوى الحماية التي توفرها القوانين والتشريعات لحرية الصحافة
والإعلام، والأهم مستوى الالتزام الذي تبديه السلطات التنفيذية
بهذه القوانين وعدم تجاوزها والتعدي عليها.
*إيمان المجتمع بمؤسساته المختلفة، بأن حرية الصحافة والإعلام،
هي المرادف الموضوعي لحرية الرأي والتعبير، وأن حق وسائل
الإعلام في الحصول على المعلومات هو المرادف الموضوعي لحق
الشعب في المعرفة، والتي من دونها يصبح الحديث عن المشاركة
والرقابة والمساءلة وحق الاختيار، ضرب من الدعاية المضللة.
* إيمان مؤسسات المجتمع المدني المختلفة وإدارات الدولة
وأجهزتها على حد سواء، بأن حرية الصحافة والإعلام، غير مجزوءة
ولا انتقائية، نرحب بها وندعمها عندما تتصدى "للآخر" ونندد بها
ونحمل عليها عندما تكشف عن بؤر الضعف ومواطن الخلل المستفحل
لدينا، فالازدواجية في النظر لحرية الصحافة والإعلام هنا، هي
أقصر الطرق لكبحها والحد من مستوى تطورها.
*مستوى التطور المهني الذي بلغته الصحافة ووسائل الإعلام،
فالمهنية هنا بأبعادها الحرفية والتقنية والأخلاقية والقانونية،
ليست شرطا للارتقاء بسقف الحرية فحسب، بل وضمانة في وجه تغوّل
السلطة التنفيذية على الصحافة ووسائل الإعلام، وأداة لكبح
تطاول الصحافة ووسائل الإعلام على الأفراد والجماعات والمؤسسات
من غير وجه حق .
ولعل قراءة سريعة للمعايير التي تعارفت عليها الدول والمجتمعات
الحديثة لقياس حرية الصحافة والإعلام، تفضي إلى الاستنتاج بأن
العوامل التي تطلق أو تكبح حرية الصحافة والإعلام متعددة، وأن
مصادر التهديد والدعم لهذه الحرية كامنة في صلب البيئة
السياسية والتشريعية والاجتماعية والثقافية لأي مجتمع، مع
ملاحظة أن أوزان هذه العوامل متفاوتة ومتغيرة من حين إلى آخر،
ومن ميدان إلى آخر.
خاتمــة
هناك اسباب عديدة تضعف قدرة الاعلاميين على مقاومة الاحتواء
الناعم او الخشن من بينها حاجة الصحافي الى تحسين دخله، ويمكن
معالجة هذه القضية بالعمل مع المؤسسات الاعلامية لتحسين اجور
الصحافيين والاعلاميين، كما يجب معرفة الاسباب الحقيقية لتفسير
الظاهرة، وعلى ما يبدو فإن الإعلام بات سلطة بحد ذاته حتى إن
لم ينص عليها في هيكلية الحكم، وأن الإعلاميين باتوا يدركون
ذلك ويسخرونه أحيانا لخدمة مصالح شخصية، وهو ما يجعل المسئولية
مشتركة بين الطرفين.
ويذكّر جلالة الملك عبدالله الثاني دائما بضرورة أن تستمر
وتحافظ مؤسساتنا الإعلامية على نهجها الوطني دون تضارب أو
تعارض مع قواعد المهنة وأخلاقيّاتها، فالإعلام الأردني الذي
نريد هو إعلام وطني حرّ ومسئول لا رقيب عليه إلا أخلاق المهنة
وأدبياتها، وهو إعلام يضع نصب عينيه مصلحة الأردن والأردنيين
ويتوخّى تحقيقها عبر الكشف عن الحقيقة، وتوفير الحجة والبرهان،
كما يؤكد جلالته أن دور الإعلام الوطني وصيانة حرياته محفوظ في
مملكتنا، وهو مرتبط بحدود حرية الرأي الآخر، والالتزام بقواعد
الأخلاق والمهنة، والتسامي عن أساليب اغتيال الشخصية، والترفع
عن التجريح، والتمسك بالموضوعية والشفافية، ونبذ كل ما من شأنه
المساس بوحدتنا الوطنية.