أضواء على دراسة
"المواد الإشعاعية في أحواض الأردن الجنوبية"
 

 نشرت صحيفة السبيل بتاريخ 1/3/2009 تقريرا حول مشاركة جامعة البلقاء التطبيقية في الدراسة التي اعدتها جامعة ديوك في الولايات المتحدة الاميركية، بالتعاون مع جامعة بن غوريون الاسرائيلية، والمتعلقة بتراكيز تواجد الاشعاعات الطبيعية في الاحواض الجوفية في الاردن. وشارك بالدراسة كل من رئيس جامعة البلقاء التطبيقية د. عمر الريماوي، والدكتور عبدالله الزعبي المتخصص في الهندسة الجيوفيزيائية، والدكتور عماد عكاوي، اضافة الى بروفيسور متخصص بذات الموضوع من جامعة ديوك يدعى افنير فينجوش.
وبينت الدراسة التي نشرت نتائجها في دورية العلوم والتكنولوجيا البيئية وأثارت مخاوف بخصوص سلامة المياه في أنحاء الشرق الأوسط، أن المياه من أحد المصادر الجوفية في الأردن تحتوى على مستويات عالية من جزئيات مشعة تتكون في الطبيعة وترتبط بالإصابة ببعض أنواع السرطان الأمر الذي يمثل خطرا على صحة آلاف الأشخاص الذين يشربون هذا الماء في وسط الأردن ، وادعت الدراسة ايضا "ارتفاع حالات الإصابة بالسرطان في العقبة، خلافا للارقام الرسمية"، وأوصى الباحثون بأن يراقب المسؤولون الصحيون في المنطقة مستوى الاشعاع في مصادرهم المائية وخصوصا في الاردن حيث لا توجد أي مراقبة رسمية في الوقت الحالي.
وبحسب د.عبدالله الزعبي فان ترجمة التقرير الى اللغة العربية مسها بعض الخطأ، مشيرا الى وجود صخور تحوي خام اليورانيوم في حوض الديسي.

نتائج الدراسة:
قال أفنير فينجوش وهو باحث بجامعة ديوك في الولايات المتحدة قاد الدراسة "انها مياه ينبغي ألا يشربها أحد".
وأضاف: "أظهرت عدة دراسات أنها ترتبط بمستويات مرتفعة من سرطان العظام، بل وأظهرت دراسات أخرى أن لها بعض الارتباط بسرطان الدم".
وفحص فينجوش وزملاؤه عينات مياه من 37 بئرا لضخ المياه في حوض الديسي الجوفي الواقع على حدود الاردن الجنوبية مع السعودية لدراسة مستويات الاشعاع.
ووسع الاردن استغلال مياه حوض الديسي حيث تتجاوز استخدامات المياه السنوية منه سعة نهر اليرموك وأدى الضخ المفرط منه الى ارتفاع ملوحة مصادرأخرى، وكان مسؤولون يعتقدون أن انخفاض ملوحة الحوض الذي فحصه فريق فينجوش يجعله مصدرا نموذجيا لمياه الشرب، لكن فحوصا إضافية أظهرت أن الماء يحتوي على مستويات مرتفعة من جزيء الراديوم المشع الذي يتكون في الطبيعة.
وقال فينجوش في حديث هاتفي: "من المفارقات أن ارتفاع جودة هذا الماء هو الذي يجعله مناسبا للشرب".
ولهذه النتائج تداعيات بالنسبة للعديد من دول الشرق الاوسط التي تعاني نقصا في المياه والتي اتجهت الى مصادر جوفية قديمة مماثلة للحصول على الماء العذب.
وقال الباحثون في بيان: نقترح أن هذه المياه الجوفية مرتفعة الاشعاع ربما تكون موجودة أيضا في تلك الخزانات، وقد يمثل ذلك خطرا صحيا على أعداد كبيرة من السكان.
وقال فينجوش ان ليبيا تستغل مصدرا للمياه الجوفية على نطاق واسع وتستخدم اسرائيل مصدرا مماثلا لاغراض الزراعة، وبدأ الاردن في الآونة الاخيرة مشروعا بكلفة تبلغ 600 مليون دولار لضخ مياه الشرب من حوض الديسي الى العاصمة عمان التي يسكنها 3.1 مليون نسمة. وأضاف فينجوش: "ثمة مستوى مرتفع للغاية من عدم الوعي بين السكان".
ويسعى الأردن الذي يصنف بين أفقر أربع دول في العالم بالمياه لجر مياه حوض الديسي الواقع على الحدود السعودية إلى العاصمة عمان في أكبر مشروع تنفذه المملكة لحل أزمة مياه الشرب المتفاقمة، والتي تهدد سكان البلاد البالغ عددهم نحو ستة ملايين نسمة، ودشن الأردن في آب الماضي العمل في مشروع حوض الديسي الضخم لتزويد العاصمة عمان بالمياه من حوض قديم في جنوب البلاد قرب الحدود مع السعودية .
وبلغت كلفة المشروع 990 مليون دولار ، وتتولى شركة غاما إنيرجي التركية تنفيذه واستثماره لمدة 25 عاما، تعود بعدها ملكية المشروع للحكومة، ويشمل استخراج 100 مليون متر مكعب من المياه سنويا من حوض الديسي، ويتوقع أن ينجز المشروع الذي تأخر كثيرا في الصحراء الأردنية في غضون أربع سنوات .
ويتضمن المشروع استخدام 250 ألف طن من الحديد وحفر 55 بئرا لضخ المياه من حوض الديسي وجرها إلى العاصمة عمان، حيث يبلغ الاستهلاك المحلي للفرد 160 ليترا في اليوم .



ردود الافعال الرسمية:
فى ردها على الدراسة قالت وزارة المياه والري :"ان العينات التي شملتها الدراسة هي لمصادر مياه غير مستعملة لمياه الشرب"، حيث ذكر وزير المياه والري رائد أبو السعود في تصريح له: "ان مياه الشرب التي يستهلكها الأردنيون هي وفق أفضل المواصفات ويتم فحصها بالتعاون مع وزارة الصحة والوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان إيصال مياه آمنة وصحية ومطابقة لمواصفات مياه الشرب الأردنية"، وأوضح ان الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعتمد مختبرات سلطة المياه مركزا إقليميا لإجراء فحوصات المياه للنظائر البيئية بما فيها النظائر المشعة، مما يعطي مصداقية دولية وعالمية لهذه المختبرات فضلا عن اعتمادها من قبل هيئة الاعتماد البريطانية منذ أربع سنوات، وأشار إلى أن «أخطر ما ورد في الدراسة هي الإشارة إلى أن الأردنيين غير واعين لخطورة مياه الشرب، علما أن الأردنيين أكثر شعب متعلم وأقل نسبة أمية فيه.
وذكر مساعد أمين عام سلطة المياه للمختبرات والنوعية الأردني زكريا الطراونة ان أي تقييم لأي مصدر مائي إشعاعيا يحتاج لأكثر من عامين حسب المعايير الدولية لاعتماد مثل هذه النتائج علميا، مؤكدا أن مياه الشرب الأردنية في جميع مناطق المملكة تخضع لرقابة حثيثة لكافة المعايير بما فيها الإشعاعية.
وحول نفس الموضوع قال عمر الريماوي رئيس جامعة البلقاء وأحد المشاركين في إعداد الدراسة: ان "الدراسة أتت ضمن حزمة برامج بحثية وتعاون في مجالات أخرى، قام بها من الجانب الامريكي الخبير أفنير فينجوش، وهو باحث بجامعة "ديوك" في الولايات المتحدة، ومن الجانب الأردني الدكتورعبدالله الزعبي، والدكتور عماد عكاوي، وأنا".
وأضاف ان "الدراسة علمية، ولايوجد فيها ما يسيء الى الواقع والأمن المائي الأردني، بيد أن ترجمة بعض أجزائها دون ربط بعض الفقرات مع بعضها البعض، جعلها تبدو مثل كمن يقرأ "ولا تقربوا الصلاة" ، لا أحد يشكك أبدا بسلامة وضع المياه الجوفية في الأردن، وفي صلاحية مياه الشرب القادمة من كافة الخزانات الموجودة، في كل المناطق والمدن، مشيرا إلى ان احواض مياه الديسي، تعتبر من أفضل أنواع المياه في الأردن والعالم، حيث ان ملوحتها تتراوح من 250 الى 350 جزء في المليون فقط، وأكد الريماوي ان "المياه التي تصل الى المواطنين والمستهلكين بنوعية جيدة، وهي تحت المراقبة الدائمة من وزارتي المياه والري والصحة، وعلى مدار الساعة وضمن المواصفات العلمية المعتمدة".
الريماوي قدم شرحا لبعض الفقرات التي جرى تناقلها عن الدراسة، قائلا: "مياه الخزانات الجوفية ذات الطبيعة الرملية في شتى أنحاء العالم، عرضة لبعض العناصر المشعة، بسبب تكونها من الصخور الغرانيتية الحاوية على تلك العناصر، خصوصا إذا ترشح ماء من تلك الصخور المتفتتة، ومن أشهرها عنصر "الرادون" المشع الذي يكون على شكل غاز ويذوب في المياه الجوفية ".
وشدد على أنه "عند ضخ هذه المياه إلى سطح الأرض، فإن ذلك العنصر يتحرر ويخرج الى الغلاف الجوي، وبهذه الطريقة يمكن التخلص من غاز (الرادون)عن طريق التهوية، ناهيك عن أن دورة حياة هذا الغاز قصيرة، ولا يلبث أن يتلاشى مع الوقت، حتى لو بقي في الآبار الجوفية".
وضرب أمثلة عن التعامل مع هذا الغاز، في كل الخزانات الجوفية في أنحاء مختلفة من العالم كأمريكا الشمالية، أوروبا واستراليا، التي تحتوي مياهها الجوفية على تراكيز متباينة من غاز (الرادون) المشع.
نقيب الجيولوجيين، بهجت العدوان، لفت إلى أن "حوض الديسي يحوي مياها غير متجددة، نقية، وصالحة للشرب"، وقال: " نتمنى ان تتم هكذا أبحاث في الجامعات الأردنية، وفي المختبرات الوطنية، وبمشاركة خبراء واساتذة محليين، وليس على طريقة هذه الدراسة التي تثير الاستغراب والخيال ايضا".

وجهات النظر في الصحافة المحلية:
تساءل "نزيه" (الرأي2/3/2009): لماذا جاءت هذه الدراسة الان؟ وما الذي اوجب كشف نتائجها في هذا الوقت الذي ظهرت فيه قضية العجز المائي في منطقتنا بشكل عام، لتتصدر المشكلات الاستراتيجية التي تواجهها دول المنطقة، وتبحث عن حلول جذرية لها، والتي يأتي المخزون الجوفي في الاحواض المائية المحدودة في منطقتنا في مقدمة هذه الحلول؟ هذا السؤال يلح الان بعد ان حاولت الدراسة، وبطرائق علمية من وجهة نظرها، ان تحذر من استعمالات هذه المياه، لاغراض الاستعمالات الانسانية، سواء لتغطية احتياجات منزلية او لري المزروعات مما يهدم خططا عديدة عولت عليها دول المنطقة في مواجهة احتياجات متزايدة توجب بحثا جديا عن حلول سريعة.
ويرى مروان سوداح (الرأي 3/3/2009) ان الدراسة ترمي الى تحقيق مكاسب سياسية مشبوهة لأطراف غير صديقة للاردن، خاصة بعد افتضاح أمر العدوان الصهيوني على غزة، وتزايد الإدانات العالمية لنهج الإبادة العرقي الذي تختطه القيادة الاسرائيلية بحق الفلسطينيين والعرب، وقد تكشف أمام مواطننا النابه مخطط تتراقص حوله وتتناغم جهات عديدة تديرها الحركة الصهيونية بأذرعها الاعلامية والسياسية و''العلمية!''، وقد تحرّكت هذه الجهات في وقت واحد وبطريقة متشابهة وبخطاب اعلامي و''بحثي!'' متطابق للاقتصاص من الاردن وموقفه الصلب من ملفات المنطقة، ولمحاولة إثارة الرأي العام المحلي، واستحضار بلبلة في الأوساط الشعبية، ولضرب مصداقية المؤسسات المائية والعلمية الاردنية التي لا يرقى اليها الشك والجهات العالمية التي تتعاون معها، والموسم السياحي القادم الذي نتوقع ان يَشهد تزايداً ملحوظاً في أعداد السياح القادمين من دول غرب وشرق اوروبا وروسيا واوكرانيا، وقد اضحت السياحة واحدة من أهم مصادر الدخل الوطني.
اما ابن الزعبي (الديار3/3/2009) فيعتقد ان هذه الفبركة الاعلامية معروف اهدافها ونواياها وابعادها، والمواطن الاردني اوعى من ان يخدع بمثل هكذا اخبار بنفس الوقت الذي تعرف فيه الجهات التمويلية ان مشروع الديسي أشبع من الدراسات وليس هناك ما يخالف العلم والمواصفات.

توقيت الدراسة:
أثارت الدراسة جدلا واسعا في صفوف الخبراء والمواطنين، واعتبرتها مصادر "صهيونية الهوى والأهداف، تستهدف التأثير على مشروع جر مياه الديسي الى عمان".
وعن وجود أجندة سياسية وراء توقيت بث التقرير عن الدراسة، قال وزير المياه والري: "لا أستطيع أن اجزم أن فيه حسن نية أو سوء نية، لكن ما أستطيع أن أؤكده أن الدراسة تم بث تقرير عنها في اثناء وجود بعثة من بنك الاستثمار الأوروبي في المملكة للتفاوض على قرض للحكومة لاستكمال تمويل مشروع الديسي.
وكشف النائب وصفي الرواشدة ان هذه الدراسة هدفها سياسي وتسعى لعرقلة وتعطيل تنفيذ مشروع جر مياه الديسي، خاصة ان البروفيسور افنير فينجوش يحمل الجنسية الاسرائيلية. وتساءل النائب الرواشدة عن الاسباب الحقيقية وراء عدم ظهور مثل هذه الدراسة من عشرات السنين حيث كانت المملكة العربية السعودية قد بدأت باستغلال مياه حوض الديسي؟
كما ابدى نقيب الجيولوجيين الاردنيين بهجت العدوان استغرابه نشر مثل هذه الدراسات في هذا الوقت بالذات، والذي تقوم فيه الحكومة الاردنية بالمحادثات مع الجهات المانحة لمشروع جر مياه الديسي الى عمان لاغراض الشرب، حيث من المتوقع اعلان الغلق المالي نهاية الشهر الحالي - آذار- مؤكدا على ان مياه حوض الديسي هي مياه نقية وصالحة للشرب، وتتواجد في تكوين جيولوجي قديم مكون من الصخور الرملية وهي مياه غير متجددة، والتكوين الجيولوجي لحوض الديسي يختلف عن كافة الاحواض المائية الاخرى المتواجدة في المملكة، بالاضافة الى ان الابارالمثبت بها اشعاعات تستخدم في غسل مادة الفوسفات فقط، ولا تستخدم لأية اغراض اخرى، ووزارة المياه بصورة هذه الابار وبشكل علمي دقيق.
واكد مدير مشروع جر مياه الديسي المهندس عثمان الكردي ان مياه المشروع ضمن المواصفات القياسية الاردنية المعتمدة لمكونات مياه الشرب، مشيرا الى ان وزارة المياه والري تعمل ضمن منظومة القانون الاردني الذي يحرص على سلامة المواطنين عند توفير احتياجاتهم من المياه خصوصا مياه الشرب.


خاتمــة

لمنع الجدلية في الحديث عن هذا الموضوع فإن على وزارة المياه كجهة معنية الاهتمام بالأمر واصدار بيان علمي يستند الى وقائع تصوغها دراسات تسقط النتائج التي توصلت اليها الدراسة المعنية وتعيد الثقة بمخزوننا المائي سواء عن حوض الديسي كأكبر مخزون مائي والاحواض المائية الاخرى، درءا لما يتم تداوله من مغالطات واشكاليات ربما تسببت بها الدراسة المنشورة ان صحت الترجمة الحرفية لنصها.

  
إعداد : أمل رضوان

 4 آذار 2009