منظمة(J-Street)
في أمريكا
لوبي إسرائيلي جديد مؤيد للسلام وحل الدولتين
لعبت جماعات الضغط اليهودية الأمريكية، على مدى عقود من الصراع
العربي - الإسرائيلي، دورا مهما في تسّيير دفة الصراع لصالح
السياسة الإسرائيلية وعلى حساب الحقوق العربية - الفلسطينية
المشروعة في إسترجاع الأراضي العربية المحتلة .
وعلى الرغم من أن نسبة اليهود الأمريكيين في الولايات المتحدة
تبلغ
ألـ ( 3%) فقط من مجموع السكان، إلاّ أن عمل المنظمات وجماعات
الضغط اليهودية ( اللوبي الإسرائيلي ) منذ تأسيسها ، كان منظماً
وفاعلاً في التأثير على مؤسسات صنع القرار السياسي الأمريكي
المعنية برسم تفاصيل خارطة السياسة الخارجية في منطقة الشرق
الأوسط، بشكل خاص، والعالم بشكل عام .
ولا شك أن الحضور الطاغي لليهود الأمريكيين في مختلف مجالات
الحياة الاقتصادية، والسياسية، والأكاديمية، والإعلامية
الأمريكية، إضافة إلى الدراية الكافية في تسخير كل هذه
الإمكانيات لشن الحملات السياسية والإعلامية ضد
أو مع مشاريع القرار السياسي التشريعي في الكونغرس الأمريكي
والإدارة الأمريكية، ساهم كل ذلك في إخضاع السياسة الخارجية
الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط لصالح السياسة الإسرائيلية
المتشددة، على مدى عقود من الزمن .
لكن الخبر الجيد اليوم، هو ظهور منظمة أمريكية يهودية جديدة
ذات مسار مختلف، مضى على تأسيسها عام وأزيد، تُدعى ( J-Street
) ترى أن ( اللوبي الإسرائيلي ) التقليدي وعلى رأسه منظمة (
إيباك ) ودعمه للسياسات اليمينية الإسرائيلية دون أية مراجعة
لهذه السياسيات، بات يشكل تهديداً حقيقياً على الوجود
المستقبلي لأمن ووجود الدولة الإسرائيلية في منطقة الشرق
الأوسط، لذا تتخذ هذه المنظمة مسارا سياسيا مختلفا يتماهى
بطريقة أو بأخرى مع سياسة إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما
الداعية إلى الدفع بعملية السلام في المنطقة وصولا إلى " حل
الدولتين " ، إضافة إلى المقاربات التي تعتمدها الإدارة
الأمريكية الحالية في حل المشاكل العالقة في منطقة الشرق
الأوسط عن طريق الحوار والتفاوض الديبلوماسي .
وبناء على ما تقدم، تبرز أهمية التعريف بهذه المنظمة الجديدة،
وأهدافها، وآلية عملها، نظرا لإستثنائيتها على الساحة
الأمريكية من جهة، وتزامنا مع مؤتمرها القومي الأول التي من
المتوقع أن تعقده في نهاية شهر
تشرين الأول من العام الجاري ، من جهة أخرى .
منظمة ( J-Street )... الأهداف وسبب
التسمية
تعقد منطمة J-street اليهودية الأمريكية في الفترة الواقعة ما
بين ( 25-28) من تشرين الأول الجاري، مؤتمرها الأول في العاصمة
الأمريكية واشنطن، تحت عنوان " قيادة التغيير وحماية السلام "
. ويشارك في هذا المؤتمر ما يقارب ( 20) منظمة دولية داعمة
للسلام في الشرق الأوسط ، من أبرزها حركة " السلام الآن " في
أمريكا ومركز بيريز للسلام، ومنظمة " صوت واحد " العالمية .
ومن المتوقع أن يبلغ عدد المشاركين فيه ( 1000) شخص، في حين
سيتحدث في المؤتمر حوالي (100) شخصية قيادية على المستوى
السياسي، والفكري، والأكاديمي، والإعلامي ... من أمريكا
وإسرائيل والعالم العربي والعالم، داعمة للسلام في منطقة الشرق
الأوسط . ويعتبر هذا المؤتمر مناسبة مواتية لبعض العرب
المشاركين فيه، للتحدّث عن وجهة النظر العربية ورؤيتها للسلام
في المنطقة، وحل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، حيث من المتوقع
مشاركة أردنية ممثلة بالشريف الأمير زيد بن رعد سفير الأردن في
واشنطن في اليوم الثاني من المؤتمر حيث سيتحدث في جلسة حوارية
بعنوان " مسار إقليمي شامل لحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي
"، ومشاركة فلسطينية ممثلة بوزير الشؤون الاقتصادية الفلسطيني
باسم خوري، إضافة لبعض الشخصيات العربية الأمريكية الفاعلة،
والممثلة لمنظمات عربية وإسلامية داخل الولايات المتحدة، وبعض
الإعلاميين العرب . وسيناقش المؤتمرون على مدى أيام، عدداً من
المحاور المهمة ذات العلاقة بعملية السلام، والملفات الشائكة
في منطقة الشرق الأوسط، ومن أهمها :
1- الكونجرس الأمريكي والعلاقة الأمريكية الإسرائيلية .
2- كيف يمكن لليهود والمسلمين والمسيحيين، العمل معا من اجل
" حل الدولتين " ؟ .
3- وجهة نظر فلسطينية لإمكانيات السلام .
4- إيران : هل تنجح الدبلوماسية ؟ .
5- دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط : هل بدأ الوقت ينفذ
لتطبيق
" حل الدولتين "؟ .
6- الثقافة كأداة للتغيير.
7- انخراط الحركة اليهودية التقدمية للعدالة الاجتماعية في
إسرائيل .
ومن أبرز الشخصيات السياسية التي ستتحدث في المؤتمر، السيناتور
الأمريكي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي
جون كيري، والجنرال الأمريكي مستشار مجلس الأمن القومي جيمس
جونز، ورابي إيريك يوفي رئيس اتحاد الإصلاح اليهودي، إضافة
للسيناتور الأمريكي تشك هاغل، بحسب الوقع الرسمي للمنظمة على
الشبكة العنكبوتية .(1)
وتعتبر منظمة ( J- street ) والتي تم تأسيسها في شهر آب من
العام
( 2008) أول منظمة، وجماعة ضغط يهودية أمريكية، تسير عكس تيار
جماعات الضغط اليهودية المؤثرة داخل الولايات المتحدة
الأمريكية وعلى رأسها منظمة الإيباك ( لجنة الشؤون العامة
الأمريكية الإسرائيلية ) . حيث تساند الإيباك منذ تأسيسها في
العام (1951) ومعها مختلف جماعات الضغط اليهودية الأمريكية (
اللوبي الإسرائيلي ) السياسة الإسرائيلية في منطقة الشرق
الأوسط والعالم بكل خطواتها، وبدون أية مراجعات لتلك السياسات
. في حين أن منظمة
( J-street ) الحديثة التأسيس، انطلقت من خلفية سياسية مغايرة
التوجه، لتمثل اليهود الأمريكيين المساندين لعملية السلام، وحل
المشاكل العالقة في المنطقة عن طريق الحوار والتفاوض
الدبلوماسي، حيث ترفع شعار مؤيدين لإسرائيل .. مؤيدين للسلام .
(2)
ويكمن السبب وراء اختيار المنظمة ( J-street ) اسماً لها، هو
أن تسمية الشوارع في العاصمة الأمريكية واشنطن معروفة بالحروف
الأبجدية من
( A-Z) وبالأرقام ، إلاّ أنها تخلو من حرف (J ) الذي يرمز إلى
( Jewish ) أو اليهود، لذلك فقد جاءت التسمية لتعبر عن هذه
المنظمة التي تضم مجموعة من المدافعين عن خيارات السلام في
منطقة الشرق الأوسط ، والذين يأملون في إيجاد طريق جديدة
للسياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي تكون مغايرة
للسياسة التي انتهجتها الولايات المتحدة على مدى العقود
السابقة من عمر الصراع . وتركز هذه المنظمة على دعم السياسيين
الأمريكيين الذين يؤمنون بضرورة التحرك نحو تسوية سلمية حقيقية
في الشرق الأوسط لحل النزاع العربي الإسرائيلي، متحدين في ذلك
أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل منظمة ( إيباك ) .
فقد تمكّن حشد من رموز اليهود الأمريكيين الليبراليين بمساندة
من شخصيات معروفة في المجتمع الإسرائيلي من الإعلان عن هذه
المنظمة العام الفائت، سعيا منها إلى الوقوف في وجه ( إيباك )،
والتي يرى الكثيرون في دفاع هذه الأخيرة، المستميت عن السياسات
المتشددة في إسرائيل كارثة على أمنها القومي ومصالح الولايات
المتحدة في المنطقة، وعلى مستقبل التعايش بين العرب
والإسرائيليين .
ويعتبر جيريمي بن عامي المستشار السابق للسياسة الداخلية في
إدارة الرئيس بيل كلينتون ، ودانيل ليفي المستشار السابق لرئيس
الحكومة الإسرائيلية أيهود باراك، ونجل اللورد ليفي مبعوث
بريطانيا السابق في الشرق الأوسط والباحث النشط في واشنطن هما
العقل المدبر لجماعة الضغط
الجديدة . (3)
وتسعى المنظمة الجديدة إلى ، إعادة تعريف وتحديد مفهوم " تأييد
إسرائيل "، بحسب ما جاء في بيانها الأول : " لفترة طويلة من
الزمن كانت الأصوات الوحيدة التي يصغي لها السياسيون فيما يخص
صناعة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تأتي من قلة عالية
الصوت من أقصى يمين المجتمع اليهودي الأمريكي، منهم المحافظون
الجدد واليمين المتشدد والمسيحيون – الصهيونيون الراديكاليون
... وقد حوّل هؤلاء تعريفهم من موالاة إسرائيل إلى التأثير في
السياسة الأمريكية " . بمعنى أن المنظمة تركز على إعادة هذا
التعريف في العاصمة الأمريكية بعد أن صارت أفكار اليمين
المتشدد والمحافظين الجدد هي المحددة لعلاقة أمريكا وإسرائيل .
(4)
مقاربة جديدة
ويرى الكاتب جيمس تروب في صحيفة " نيويورك تايمز"، أن المقاربة
التي تعتمدها ( J-street ) تجد إقبالا عليها من قبل الرأي
العام، حيث تضاعفت موازنة المنظمة لتصل إلى ثلاثة ملايين دولار،
وتضاعف طاقم اللوبي داخل الكونغرس الأمريكي أيضا في المجموعة
ليبلغ (6) أشخاص . وعلى الرغم من أن حجم المنظمة لا يزال صغيراً،
مقارنة بلجنة الشؤون العامة الأمريكية ( إيباك ) التي تحوّلت
براعتها في عالم اللوبي إلى أسطورة في واشنطن، وحضورها لا يزال
يقتصر إلى حد كبير على الانترنت، عبر إرسال الرسائل
الإلكترونية انطلاقا من مدونات ومواقع إلكترونية تابعة لها،
إلاّ أن ظهورها قد تقاطع بشكل مواتي مع قرار الرئيس أوباما،
خلافاً للرؤساء السابقين، أن يدفع باتجاه تسوية سلمية في الشرق
الأوسط منذ بداية ولايته . من هنا ، فإن المنظمة تمثل ما يحتاج
إليه أوباما من دعم في المساحة السياسية في الداخل لدفع هذه
القضية للأمام، فهو بحاجة إلى أن يقاوم الكونغرس الدعوات التي
يوجهها إليه بنيامين نتنياهو واللوبي الإسرائيلي لصد المطالب
الرئاسية . فالبند الأول في جدول أعمال المنظمة كما يقول
مديرها التنفيذي جيريمي بن عامي : " هو فعل كل ما بوسعنا في
الكونغرس لنكون بمثابة الظهير الداعم للرئيس " .
هذا التقاطع في الرؤية السياسية، دعا الرئيس أوباما لتوجيه
الدعوة لمنظمة ( j-street ) للقائه ضمن اجتماعه مع قادة
المنظمات اليهودية الأمريكية، بالرغم من حداثة عهدها، ما حدا
بشخصيات نافذة في الجالية اليهودية إلى إبداء استيائها حيال
هذه الدعوة . ( 5 )
ويشير جيمس تروب في مقالة نشرها في صحيقة " نيويورك تايمز" في
أيلول الماضي إلى أن موقف المنظمة فيما يتعلق بالمسائل
الجوهرية الخاصة بعملية السلام في منطقة الشرق الوسط ، تعكس
الموقف الليبرالي التقليدي إلى حد ما ، الذي يضعها إلى يسار
المجموعات اليهودية الرئيسة المتشددة . فهي تؤيد إنشاء دولة
فلسطينية قابلة للحياة كجزء من حل يجري التوصل إليه عن طريق
التفاوض لإقامة الدولتين، وذلك بالإستناد إلى حدود (1967) مع
مقايضات متبادلة ومتفق عليها في الأراضي ( تفاهمات بيل كلينتون
عام 2000 ) . كما تؤيد أيضا اعتماد القدس عاصمة مشتركة
للدولتين . وفيما يتعلق بالمحادثات مع حركة "حماس" تتبنى
المنظمة النظرة الحذرة التي تعتبر أنه في حين لا يجدر بهم
التحدّث مباشرة مع المسؤولين، ينبغي عليهم الإنخراط مع الحركة
عن طريق وسطاء بهدف إيجاد محاورين راغبين في العيش بسلام مع
إسرائيل . كما أنها تعارض بناء المزيد من المستوطنات ، ففي
إحدى إستطلاعات الرأي التي أجرتها المنظمة ، بينت أن نسبة
اليهود الأمريكيين الذين يعارضون بناء المستوطنات بلغت (60%
مقابل 40% ) ، كما بينت أن الغالبية الساحقة تؤيد الاقتراح
الذي يقول أن على الولايات المتحدة أن تنخرط بفاعلية في عملية
السلام حتى لو اقتضى ذلك أن " تعلن على الملأ اختلافها في
الرأي مع الإسرائيلين والعرب على السواء " ، وأنهم يدعمون بقوة
قيام الولايات المتحدة بذلك حتى عند تعديل الجملة لتصبح " أن
تعلن على الملأ اختلافها في الرأي مع إسرائيل" . لكن الموقف
الأكثر إثارة للجدل، كان ذلك المتعلق بقصف الطائرات
الإسرائيلية غزة لأول مرة في (27) كانون الأول (2008) عندما
أصدرت بيانا صحفيا قالت فيه : " ليس هناك حل عسكري في غزة
لنزاع سياسي في الجوهر " ، كما دعت إلى " تدخل ديبلوماسي فوري
وحازم " للتفاوض على استئناف العمل بوقف النار . (6)
بناء على ما تقدم، يقوم أساس العمل للمنظمة الجديدة على
الحد،لا بل محاولة إنهاء التأثير الطاغي للجماعات المتشددة
واليمينية
( اللوبي الإسرائيلي ) التي لا تعطي اليهود الليبراليين فرصة
التحدّث عن عملية السلام في الشرق الأوسط والدور الأمريكي في
المنطقة . فالمدير التنفيذي جيريمي بن عامي يقول: " إن التيار
المحافظ بين اليهود الأمريكيين قد اختطف مصطلح " المؤيدين
لإسرائيل " وهو ما لا يتفقون فيه مع الغالبية من اليهود
الأمريكيين وغيرهم " .
وتسعى المنظمة من خلال لجنة العمل السياسي ( JSreet PAC ) إلى
العمل مع السياسيين ، المؤيدين لأهداف المنظمة الأم ، لجمع
تبرعات انتخابية، لمساندة مرشحين بعينهم من أنصار السلام في
انتخابات الكونجرس المقبلة حتى يكون للجماعة صوتا في مراكز صنع
القرار في واشنطن . هذا العمل يصفه كثير من المراقبين، بأنه
يمثل تحدياً واضحاً لمنظمة " إيباك " الواسعة النفوذ ، خصوصاً
وأن المنظمة الجديدة ستجلب تمويلا وتبرعات من الجناح الليبرالي
من المجتمع اليهودي الأمريكي المؤيد لعملية السلام و" حل
الدولتين " . (7)
ويشير جيمس تروب في مقاله، المذكور أعلاه ، إلى أن فكرة وجود
لوبي إسرائيلي، مع تلوّناته المزدوجة الولاء، هي مفهوم مثير
للجدل . حيث تعود جذور الفكرة إلى مطلع سبعينيات القرن الفائت
. لكنها لم تتحول إلى موضوع مثير للنقاش إلاّّ بعد نشر مقال
شهير في " ذي لندن ريفيو أوف بوكس " عام 2006 للأكاديميين في
العلوم السياسية جون ميرشايمر وستيفن والت . أثار هذا المقال،
الذي توسّع فيما بعد وأصبح كتابا، زوبعة من الغضب لدى القرّاء
بسبب ما أوحى به من سرّية تآمرية؛ وإصرار على أن المحافظين
الجدد اليهود أقنعوا الرئيس بوش الابن بشن ّ حرب على العراق
بهدف حماية إسرائيل . وساق الكاتبان زعما، وهو قريب جدا من
الحقيقة، بأن اللوبي الإسرائيلي نجح في فرض حظر شبه كامل على
أي انتقاد لإسرائيل، ولا سيما في الكونغرس . ( 8)
ولمزيد من التوضيح حول هذا الكتاب الذي صدم الأوساط الأكاديمية
لجرأته غير المسبوقة والتي كشفت النقاب عن آلية عمل اللوبي
الإسرائيلي بمختلف تفاصيلها وحيثياتها داخل أروقة مؤسسات صنع
القرار في الولايات المتحدة، لا بد من الإشارة إلى أن واضعي
هذا الكتاب هما أكاديميان أمريكيان الأول هو ستيفن والت أستاذ
العلوم السياسية في جامعة هارفارد، والثاني هو جون ميرشايمر
أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، وفيه يكشفان عن سر
العلاقة الاستثنائية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، ودور
اللوبي “الإسرائيلي” في السياسات الأمريكية.
بعد نشر التقرير الوثيقة والذي تحول إلى كتاب لاحقا، رغم
علميته وحياديته، تعرض الأستاذان إلى حملة عدائية منظمة وواسعة
لأنهما اقتربا من محظورات تمس علاقة غريبة بين الولايات
المتحدة و”إسرائيل” لا مثيل لها في التاريخ، لعب فيها اللوبي
“الإسرائيلي” دوراً بارزاً حيث تمكن من الإمساك بمفاصل القرار
الأمريكي وتحويل السياسة الأمريكية إلى سياسة “إسرائيلية”.
فقد تخلت جامعتا هارفارد وشيكاغو عن الأستاذين، وأزالت إدارتا
الجامعتين شعاريهما من على غلاف التقرير، كما حذفتا إشارة
تقليدية تشير إلى أن التقرير على مسؤولية واضعيه ولا يعبر عن
رأي الجامعة، وإن حقوق النشر محفوظة للمؤلفين، في خطوة تعكس
مدى تأثير وسيطرة اللوبي “الإسرائيلي” على مفاصل الحياة
الأمريكية ومنها الأكاديمية. والمقصود بما تعرض له وولت
وميرشايمر تأديب كل من يجرؤ على ذكر حقيقة وواقع النفوذ
“الإسرائيلي” في الولايات المتحدة، وفرض إرهاب فكري على البحث
العلمي.(9)
وأشار الباحثان الأمريكيان ميرشايمر ووالت في كتابهما إلى أن
فعالية عمل اللوبي الإسرائيلي وسيطرته على مفاصل صنع القرار في
الولايات المتحدة أدى إلى ارتهان السياسة الخارجية الأمريكية
لسيطرة جماعات الضغط اليهودية الأمريكية، بحيث أصبحت هذه
السياسة تضع مصالح إسرائيل في مكان متقدم على مصالح الولايات
المتحدة الأمريكية، ما أثر بشكل سلبي على المصالح الوطنية
والقومية الأمريكية دون أي مبرر إستراتيجي أو أخلاقي أو مبدئي
، معرضة بذلك أمن الولايات المتحدة للخطر، ومساهمة في تردي
علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي ، وشن حرب عسكرية، لا
داعي لها، على العراق .
في سياق هذه الإرهاصات والجدل الذي أحدثته دراسة ميرشايمر
ووالت داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى بروز بعض الأصوات
الصحفية والأكاديمية، عقب حرب لبنان (2006) وحرب غزة(2008)،
التي حذرت من أن السياسات المتشددة التي تنتهجها إسرائيل تجاه
الفلسطينيين وجيرانها العرب، ستكون نتائجها كارثية، استراتيجيا،
على أمن ومستقبل دولة إسرائيل، داعين الإدارة الأمريكية
والتيارات السياسية المعتدلة في إسرائيل إلى حماية إسرائيل من
نفسها، لأن طريق السلام هو الضامن لأمنها، آخذين بالاعتبار
القنبلة الديموغرافية الفلسطينية على مدى العقدين القادمين،
حيث يقول البعض أن ميزان القوى الديموغرافي سيكون لصالح
الفلسطينيين على حساب الإسرائيليين، لذا فإن طريق السلام و" حل
الدولتين " هما الضامن الوحيد لوجود وأمن إسرائيل مستقبلاً .
ضمن هذا السياق، وعقب العزلة الديبلوماسية لإسرائيل التي
فرضتها أجواء حرب غزة، بدأت الجالية اليهودية تبحث عن أساليب
جديدة لتمثيل نفسها . فأصدرت مجموعة " منتدى السياسة
الإسرائيلي " أوراقا تعبّر فيها عن موقفها بضرورة إحداث تغيير
في السياسة الأمريكية. غير أن مجموعة صغيرة استطاعت أن تقوم
بالمجهود الشاق وتنظم عمل اليهود الليبراليين الأمريكيين بما
يتطلبه اللوبي من تنظيم، وكان ذلك على يد جيريمي بن عامي الذي
استطاع جمع المنظمات التقدمية في هيئة جامعة أكثر نفوذا ألا
وهي منظمة " J-Street " . ( 10)
خاتمة
تفاوتت ردود الأفعال حول( J-Street ) بين اليهود الأمريكيين،
فمنهم من اعتبرها خطوة ضرورية في توقيت مهم لتغيير دفة الحوار
في واشنطن، ومنهم من قال عنها أنها جزء من اللوبي العربي
ومجموعة من اليساريين الليبراليين ممن لا يقدّرون حجم الخطر
الذي تتعرض له إسرائيل .
ورد دانيال ليفي أحد مؤسسي المنظمة بالقول : " كل واحد في
واشنطن يؤكد اليوم أنه صديق لإسرائيل .. لكن الصداقة التي تقول
للمحتل أن يتمادى ويتمسك بكل سنتيمتر من الأرض المحتلة ليست
صداقة .. ولأنها تتحول إلى صداقة مخادعة عندما ننفق سنوات أخرى
في حماية الإحتلال وتغذية الرغبة في تدمير الذات " . (11)
وفي الأوساط العربية، هناك من يرى في هذه المنظمة وطروحاتها
السياسية المغايرة لجماعات الضغط اليهودية الأمريكية، الموالية
للسياسة الإسرائيلية المتشددة، وعلى رأسها منظمة " إيباك "،
خرقا مهما في جدار اللوبي الإسرائيلي، ما يمهد لإيجاد أرضية
مشتركة مع الناشطين العرب الأمريكيين، والسياسيين العرب للدفع
باتجاه إستئناف مسار العملية السلمية المتعثرة في الشرق الأوسط
وصولا إلى " حل الدولتين " . كما أن المقاربات التي تعتمدها
المنظمة لإعتماد الحل الديبلوماسي التفاوضي لحل مشاكل المنطقة
وعلى رأسها الملف النووي الإيراني ، توضح المسارات التي من
الممكن أن تتقاطع فيها المصالح العربية مع هذه
المقاربات .
وبغض النظر،عما أحدثته هذه المنظمة من ردود فعل، أمريكية أو
إسرائيلية أو عربية، إلاّ أنها تمثل تجربة جديدة، يمكن للعرب
الأمريكيين الاستفادة منها لتنظيم صفوفهم بشكل فعّال ومنظم
للتأثير على السياسة الأمريكية الخارجية لصالح تحقيق الآمال
العربية والإسلامية في إنجاز سلام عادل وشامل في منطقة الشرق
الأوسط،، خاصة وأن عدد أفراد الجالية العربية الإسلامية كبير
في أمريكا، إضافة إلى أنها لا تنقصها الخبرات الأكاديمية أو
العلمية أو الإعلامية أو حتى التمويلية إن توفرت الإرادة
الصادقة في العمل بشكل منظم وفاعل .
فهذه المُناخات الجديدة التي تعمل على إحداثها هذه المنظمة
الوليدة، هي فرصة سانحة، على العرب استغلالها جيدا، للعمل
بصورة مغايرة، وإيجاد لوبي عربي مؤثر في السياسة الخارجية
الأمريكية، خصوصا وأن الظروف الدولية مواتية لمثل هكذا تأثير،
نتيجة التصرفات الإسرائيلية اليمينية المتشددة، والتي تؤثر
بشكل سلبي على الصورة التي تحاول إسرائيل أن ترسمها لنفسها (
كواحة للديمقراطية في الشرق الأوسط ) .
وتأكيداً على أهمية وجود لوبي عربي قوي في الولايات المتحدة،
شدد الدكتور بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة،
والخبير في دهاليز السياسة الأمريكية والعالمية، على ضرورة
تشكيل لوبي عربي للاستفادة مما طرحه الرئيس أوباما بخصوص حل
الدولتين، وهذا يحتاج إلى جهود عربية مباشرة لتحقيق ذلك، وفق
الحوار الذي أجرته معه مجلة " الصين اليوم " في عددها الصادر
لشهر آب (2009) .
فهل سيبني العرب على مثل هذا الاختراق الذي تعمل عليه منظمة
( J-Street )، وإنشاء لوبي عربي قوي ؟ أم أنهم سيفوتون الفرصة
؟ .
المصادر
1- بحسب الموقع الرسمي لمنظمة J-street www.jstreet.org .
2- سوزي الجنيدي، مقالة بعنوان " زلزال يضرب المنظمات اليهودية
، على الرابط الالكتروني www.arabi.ahram.org.eg .
3- المصدر السابق .
4- عزت إبراهيم، مقالة بعنوان " ظهور لوبي يهودي معتدل ينافس
إيباك " ، على الرابط الإلكتروني www.taqrir.org .
5- جيمس تروب، مقالة بعنوان " اللوبي الإسرائيلي الجديد
( J-Street) " على الرابط الإلكتروني www.arraee.net .
6- نفس المصدر رقم 5 .
7- نفس المصدر رقم 4 .
8- نفس المصدر رقم 5 .
9- www.islamdaily.net دراسة جون ميرشايمر وستيفن والت بعنوان
" اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية " .
10- نفس المصدر رقم 5 .
11- نفس المصدر رقم 4 .