يبدو المشهد السياسي العراقي اليوم، وبعد الثلاثين من حزيران
الماضي، الموعد الذي أتمت فيه القوات الأمريكية إنسحابها من
المدن والبلدات العراقية، أكثر تعقيدا لجهة عدم وضوح الرؤية
إلى ما ستؤول إليه الأمور على مختلف الأصعدة السياسية،
والاقتصادية، والاجتماعية في هذا البلد، الذي شاء القدر أن
يكون على الدوام، محط أنظار وأطماع القوى الإقليمية، والقوى
الدولية الفاعلة، نظرا لأهميته التاريخية والجغرافية والسياسية،
وفوق كل ذلك، امتلاكه لأكبر احتياطي نفطي في العالم بعد
المملكة العربية السعودية، حيث يبلغ احتياط النفط العراقي
حوالي 10.7 % من إجمالي الاحتياطي
العالمي .( 1)
ومما يزيد في ضبابيه هذه الرؤية، تعقد الوضع الإقليمي سياسيا،
بدءاً من صعود اليمين الإسرائيلي إلى قمة هرم السلطة بقيادة
بنيامين نتنياهو، وصولا إلى نتائج الانتخابات الإيرانية ، التي
جاءَت بالرئيس محمود أحمدي نجاد، المثير للجدل، لولاية ثانية،
وما رافق هذه النتائج من أحداث داخلية قادتها قوى المعارضة
التي شككت بهذه النتائج، ما أسسّ لوضع سياسي داخلي متململ،
ستكون له تداعياته المستقبلية على النظام السياسي في إيران
ومحيطها الإقليمي، ما لم يتخذ النظام خطوات جدية لتصحيح مساره
.
بالإضافة لذلك، هناك الموقف الأمريكي، وإدارة الرئيس أوباما
العازمة على تنفيذ الانسحاب الأمريكي العسكري كاملا من الأراضي
العراقية في أواخر العام 2011، وفقا لنص الاتفاقية الأمنية
الأمريكية العراقية . فهل سيترافق مع مراحل هذا الإنسحاب، دعم
فعلي وحقيقي لتثبيت دعائم نظام سياسي تصالحي يستوعب كل أطياف
مكونات الشعب العراقي، يستمد شرعيته من مشروعه الوطني في إقامة
دولة مركزية قوية، أم أن الفشل في إقامة هذا المشروع، أو أي
شكل لنظام سياسي مستقر، فيما لو جنح العراق نحو الفوضى
والاقتتال الطائفي، سيؤدي إلى إنسحاب أمريكي ليس عسكريا فقط،
بل سياسي، ما سيقود العراق نحو المجهول .
تستعرض هذه الدراسة السيناريوهات المحتملة لملامح المشهد
السياسي العراقي، بعد استلام قوات الشرطة العراقية والجيش لملف
الأمن والسيادة في المدن والبلدات العراقية، في ظل مصالحة
وطنية غير ناجزة، وفساد مالي وإداري مستشرٍ، وجماعات إرهابية
لا زالت فاعلة، محاولة جر البلاد لمزيد من الفوضى والاقتتال
الطائفي، إضافة إلى الميول الكردية في الشمال الساعية إلى
الإنفصال وتكوين دولة مستقلة للأكراد، ووضع اليد على عدد من
المناطق الغنية بالنفط، خارج اقليم كردستان وإلحاقها به، وفوق
هذا وذاك التدخل الإيراني المؤثر في تكوين تفاصيل هذا المشهد،
في ظل الغياب العربي عن الساحة السياسية العراقية .
عودة للوراء
يتطلب استعراض السيناريوهات المحتملة لعراق المستقبل، العودة
إلى الوراء، وتحديدا العام 1990 . فبعد سقوط جدار برلين عام
1989، وانتهاء حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة
وحلفائها من جهة، والاتحاد السوفيتي السابق وحلفائه من جهة
أخرى ، شهدت منطقة الشرق الأوسط حدثاً سياسياً قلب الموازين
رأساً على عقب، إثر دخول قوات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين
إلى دولة الكويت ، ما حدا بالولايات المتحدة إلى أن تضع
المنطقة في مركز ثقل سياستها الخارجية والتي قادت إلى حرب
الخليج الأولى عام 1991، التي شنتها قوات التحالف الثلاثيني
على العراق بقيادة الولايات المتحدة، والتي انتهت بخروج صدام
حسين من الكويت .
لكن تداعيات قرار دخول صدام حسين إلى الكويت، قادت العراق لأن
يندرج تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي تتضمن
مواده
من 39-51 " ما يُتخذ من الإجراءات في حالات تهديد السلم
والإخلال به ووقوع العدوان " . وهذا البند هو الأداة التي
اعتمدت لمعاقبة العراق بعد دخوله الكويت ، وبموجب أحكامه صدر
ضد العراق ما يزيد على 60 قراراً من مجلس الأمن الدولي تضمنت
فرض العقوبات الاقتصادية، ووضع اليد على واردات العراق النفطية،
وتجميد الأموال العراقية في الخارج . (2)
وعقب أحداث الحادي عشر من أيلول من العام 2001، التي هزت القطب
الأوحد في العالم، عمدت الإدارة الأمريكية ذات الصبغة اليمينية
في ذلك الوقت، إلى شن حربها "المقدسة" على الإرهاب . فكانت
أفغانستان وجهتها الأولى في تلك الحرب، ومن ثم العراق . فقد
شنت القوات المتعددة الجنسية بقيادة الولايات المتحدة الحرب
على العراق يوم 19 آذار 2003، مدعية إمتلاك نظام صدام حسين
أسلحة دمار شامل، ومتهمة إياه بنفس الوقت بدعم الجماعات
الإرهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة . وحاولت تغليف هذا
العدوان بخطاب سياسي ذي صبغة أخلاقية وإنسانية تبرر مسوغات هذه
الحرب، كالإدعاء بتخليص الشعب العراقي من طغيان نظامه السياسي
والتأسيس
لحقبة جديدة في العراق من الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان،
لتكون نموذجاً يُحتذى في الشرق الأوسط الجديد، الذي كانت تسعى
لإقامته إدارة جورج بوش الابن .
واستفادت الولايات المتحدة من وجود العراق تحت طائلة البند
السابع، في تأمين غطاء الشرعية الدولية لشن عدوانها على العراق،
وذلك من خلال قرار مجلس الأمن الدولي رقم ( 1483) الذي اعترف
لاحقا بالقوات المتعددة الجنسيات وبالوجود الأمريكي كسلطة
احتلال رسمية .
وبعد سقوط بغداد في 9 نيسان عام 2003 بيد القوات الأمريكية،
ونتيجة لغياب إستراتيجية واضحة من قبل الإدارة الأمريكية
للتعامل مع العراق ما بعد الإحتلال، وقعت الإدارة بقيادة جورج
بوش الأبن خلال السنوات الأولى من الإحتلال، بسلسلة من الأخطاء
المميتة، والتي أدت بمحصلتها لدخول العراق في حالة من الفوضى
قادته إلى حافة الحرب الأهلية، والاقتتال الطائفي . وتجسدت أهم
هذه الأخطاء بحل الجيش العراقي الذي نتج عنه تسريح مئات الآلاف
من وظائفهم، ليجدوا أنفسهم بدون مصدر رزق ، إضافة لحل الوزارات
ومؤسسات الدولة . بمعنى آخر هدم أركان الدولة من أجل إعادة
بنائها حسب الرؤية الأمريكية لنموذج الدولة الذي يُحتذى في
منطقة الشرق الأوسط .
فما أن أعلن الرئيس بوش، في الأول من مايو 2003، في خطابه
الشهير على متن حاملة الطائرات يو س أس إبراهام لنكولن ، " أن
المهمة أنجزت ، حتى توالت الأخطاء الكبرى . وكأنما كانت تلك
العبارة هي " كلمة السر" المتفق عليها مع الحاكم الأمريكي "بول
بريمر" ليشرع في "خطة تفكيك" العراق دولة وجيشا ومجتمعا، توطئة
لإعادة تركيبه على مقاسات واشنطن ومجموعة "المحافظين الجدد" .
ففي
16 مايو أصدر بريمر القرار الأول باجتثاث "البعث" وطرد أكثر من
(30) ألف موظف في وزارات وأجهزة الدولة العراقية مما أدى إلى
شل الإدارة العامة تماما . ولم يمض يومان حتى كان قد ألقى
قنبلته الثانية في القرار الذي أصدره بحل الجيش النظامي، رغم
أن "معهد واشنطن" المشهور كان قد نصح بالإبقاء على الجيش بعد
تسريح كبار ضباطه، وحل الحرس الجمهوري والحرس الخاص فقط . وأدى
حل الجيش إلى طرد (400) ألف جندي وضابط عراقي بأسلحتهم التي
كانت بحوزتهم ! ... كانت هذه بداية فوضى عارمة . مجتمع وجد
نفسه بين عشية وضحاها بلا سلطة ولا قوات أمن ولا قانون . وإذا
حدث مثل ذلك في أكثر المجتمعات حداثة وتقدما، سيعود أدراجه إلى
حالة بدائية . فما بالنا بمجتمع كان قد ارتد إلى مثل هذه
الحالة بشكل ما وبدرجة معينة، عندما لجأ معظم أفراده إلى
الإحتماء بتكويناتهم الاجتماعية الأولية ، القبائلية
والعشائرية والعرقية والطائفية والمذهبية... عسى أن يجدوا فيها
بعض ما يعينهم على التعايش مع الخوف المستمر من سلطة " الدولة
الجديدة " عندما توحشت ". (3)
هذا الواقع الجديد، الذي غابت فيه الهوية الوطنية الجامعة لتحل
محلها الهويات الطائفية والعرقية والعشائرية ... الخ، شكل تربة
خصبة لنمو الحركات الأصولية المتطرفة كتنظيم "القاعدة"، التي
لعبت دوراً مؤثراً في تأجيج الاقتتال الطائفي والعرقي والمذهبي
في العراق . كما ساهم أيضا، في جعل الساحة العراقية عرضة
للتجاذبات الإقليمية ومشاريعها التوسعية في المنطقة . وفوق كل
ذلك أصبح العراق بهذه الفسيفساء الجديدة تكويناً هشاً يمكن
التحكم به وتشكيله وفقا للمصالح الأمريكية في المنطقة، لاحقاً
.
بناء عليه، فإن النفق المظلم الذي دخل فيه العراق في العامين
2006 و2007 كان نتيجة طبيعية لهذه الأخطاء الكبرى التي ارتكبها
الإحتلال منذ غزوه العراق . وعندما بدأت الإدارة الأمريكية
تدرك حجم المأزق الذي وضعت نفسها فيه نتيجة السياسة الفاشلة
التي انتهجتها ، وعندما تعالت الأصوات داخل الكونغرس الأمريكي
ذي الأغلبية الديمقراطية في العام 2007 ضد الحرب في العراق
بالتزامن مع إرتفاع عدد القتلى من القوات الأمريكية، إضافة إلى
إرتفاع كلفة الحرب وإرهاقها لميزانية الولايات المتحدة، بدأت
إدارة جورج بوش التفكير جديا في الخروج من الورطة التي وضعت
نفسها بها .
لذلك أصبح خيار انسحاب القوات البريطانية والأمريكية من العراق
من ضمن بدائل أخرى هو الأفضل منذ العام 2005 - 2006 . فقد كان
هذا مؤدى وثيقة "جون ريد" وزير الخارجية البريطاني وقتذاك،
والتي كشفتها صحيفة
" ذي ميل أون صاندي" في عددها الصادر بتاريخ 10 تموز من عام
2005 ، والتي تفيد بأن بلاده والولايات المتحدة تخططان لخفض
قواتهما في العراق بحلول منتصف 2006، بحيث تسحب لندن 5500 جندي
فيما تسحب واشنطن 110 آلاف جندي. (4)
لكن يبدو أن هذا الخيار أرجئ نتيجة تزايد أعمال العنف الطائفي
والمذهبي والعرقي في عامي 2006 و2007، ما أبقى هذا السيناريو
مؤجلا إلى إشعار آخر .
وجاءت زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق في العام 2007
كخطوة ضرورية لإستراتيجية الإنسحاب التدريجي والآمن للقوات
الأمريكية من العراق، لاحقا . وأثبتت تلك الإستراتيجية
والتكتيكات التي إتبعها الجنرال
" دايفيد بترايوس" قائد القوات المتعددة الجنسيات في ذلك الوقت،
فعاليتها في الحد من العنف الطائفي وتحسن الوضع الأمني .
وتُُرجع ليندا روبنسون مؤلفة كتاب " أخبرني ما السبيل لإنهاء
هذه الحرب " الأسباب الكامنة وراء تحسن الوضع الأمني في العراق
كنتيجة للتصعيد ( المتمثل في زيادة عدد القوات الأمريكية )
الذي حدث عام 2007. إضافة لعدد من العوامل المتمثلة في التعاون
بين بترايوس وكروكر ( السفير الأمريكي في العراق )، لكن العامل
الأكثر حسماً تمثل في تغير في الإستراتيجية العسكرية الذي حدث
في ظل قيادة بترايوس . فقد كان الهدف الأول له هو توفير الأمن
للسكان ومنح الفرصة للساسة العراقيين لتشكيل حكومة عاملة
وإقتصاد سليم، ما يعد تغييراً في الأولويات العسكرية. فقد وجه
قواته إلى التحالف مع الزعماء المحليين من السنة والشيعة وقام
بوضع قوات أمريكية في التجمعات السكنية في العراق من أجل توفير
الأمن وبناء علاقات تقوم على الثقة .(5)
وتعتبر " الصحوات " في العراق من التكتيكات الناجحة في الحد من
أعمال العنف ونشاط تنظيم القاعدة .
" فقد بدأت القوات الأمريكية تنخرط بنجاح في التعامل مع
العشائر السنيّة منذ أواخر العام (2005)، عندما تعاون جنود
المارينز الأمريكيون مع زعماء العشائر المحلية لطرد تنظيم
القاعدة في العراق ... . وفي أيلول من 2006، وُسِّعت هذه
العملية واكتسبت طابعا رسميا عندما عقد الشيخ عبد الستار
الريشاوي، أول اجتماع للصحوات جمع 45 زعيم قبيلة من مختلف
أنحاء الرمادي، وقد نجحوا في إقناع 4500 عربي سنّي، بينهم
العديد من المتمرّدين السابقين، في الانضمام إلى شرطة الأنبار
.
في ظل زيادة عدد الجنود الأمريكيين اعتباراً من العام 2007،
انتشرت مجالس الصحوة...، وشكلت محفلاً يلتقي فيه الجيش
الأمريكي وزعماء العشائر للتحدّث وتنسيق تحرّكاتهم الأمنية ,
وشاركت مجالس الصحوة أيضاً في محادثات المصالحة برعاية
الولايات المتحدة بين زعماء السّنة والشيعة ...وقامت حركات
الصحوة التي رأت النور خلال زيادة عدد الجنود، بخطوة غير
مسبوقة تمثّلت بإنشاء قوى أمنيّة مؤقّتة ومدفوعة الأجر عُرفت
بأبناء العراق، ولم تكن رسميا جزءا من القوى الأمنية الحكومية
... وهكذا بدأت حركات الصحوة كمبادرة أمريكية، غير أن الأشهر
الإثنى عشر الأخيرة شهدت استيعابها في مجموعة من المؤسسات
التابعة للحكومة العراقية، حيث دُمج قادة الصحوة في شبكة من
المؤسسات الحكومية المحليّة التي عززت مكانتهم، مثل منتديات
تنمية الأقضية ومجالس الأحياء الاستشارية . كما شارك عدد كبير
من قادة الصحوة في انتخابات المحافظات في كانون الثاني 2009؛
وقد حقق مرشّحو الصحوة النجاح الأكبر في الأنبار، ... وفي
أماكن أخرى في العراق، حقق قادة الصحوة المعروفون نجاحا أكبر
عندما تحالفوا مع أحزاب سياسية مثل الجبهة العراقية للحوار
الوطني بزعامة صالح المطلك، وحزب الحدباء في الموصل، وحتى
الحزب الإسلامي العراقي في أماكن مثل محافظة ديالي ... ينطبق
الشيء نفسه على الدور الأمني للصحوة . فأبناء العراق يُستوعبون
ببطء، إنما بإطراد في أشكال التوظيف البديلة ...أو هم في صدد
التقّدّم بطلبات للالتحاق بالقوى الأمنية الفيديرالية . " (6)
يمكن الاستنتاج مما سبق أن مسألة الإنسحاب من العراق لا يعود
الفضل فيها إلى الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما إيفاءً
بوعده للناخبين الأمريكيين، بل كانت استكمالاً للخيار الذي
تبناه في النصف الأخير من ولايته الثانية الرئيس الأمريكي
السابق جورج بوش الأبن، وإن شهدت هذه الفترة زيادة في عدد
القوات، إلاّ أن البعض ينظر له كتكتيك ضروري من أجل إنسحاب آمن.
وفي هذا المقام ، يجب التذكير بأن الاتفاقية الأمنية الأمريكية
العراقية والقاضية بسحب القوات الأمريكية من العراق تم التوقيع
عليها في أواخر رئاسة جورج بوش . فكان من غير الممكن الانسحاب
من العراق في ظروفه الأمنية المضطربة تلك، لأنه سينظر له على
أنه هزيمة للقوات الأمريكية من جهة، وليس من مصلحة الولايات
المتحدة الخروج من العراق بهذا الشكل، في ذلك الوقت، من جهة
ثانية . فقد مُنيت الولايات المتحدة الأمريكية بخسائر كبيرة
حيث بلغ عدد قتلاها حسب اعترافاتها (4322) قتيلاً، وأكثر من
(30) ألف مصاب، (17) ألفاً منهم في حالة حرجة ، إضافة إلى
الكلفة الاقتصادية الباهظة للحرب، والتي يرى بعض المحللين أنها
كانت أحد المسببات للأزمة الاقتصادية العالمية، والتي من
المقدر أن تبلغ على المدى البعيد، أربعة تريليونات دولار، بحسب
جوزيف ستيغليتز عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد،
والذي يعتبر من ناقدي ومعارضي الحرب على العراق . (7)
كل هذه العوامل مترافقة مع تصاعد الأصوات المناهضة للحرب داخل
المجتمع الأمريكي، والمجتمع الدولي، قادت إلى التفكير جدياً
من قبل إدارة بوش في نهاية عهدها ، في إتخاذ قرار الإنسحاب من
العراق .
وفي هذا الصدد، قال المفكر الاستراتيجي العراقي د. حسين شعبان
:
" هناك ثلاثة أسباب دعت الإدارة الأمريكية لإعلان إنسحابها من
العراق
وهي: فشل المشروع الأمريكي سياسياً في العراق ، وهو السبب
الأساسي والرئيس رغم نجاحه عسكرياً في الفترة الأولى بالإطاحة
بالنظام السابق، لكنه سجل فشلاً سياسياً ذريعاً لاحقاً .
أما السبب الثاني فهو الخسائر الكبيرة المادية والمعنوية التي
تكبدتها أمريكا في العراق ناهيك عن خسارة سمعتها في حين أن
السبب الثالث وهو مهم جدا، ويتمثل بالأزمة المالية والاقتصادية
الطاحنة ، وهي التي دفعت الرئيس أوباما للتخلص من التركة
الثقيلة وقناعاته بأن العراق لم يعد أولوية استراتيجية كبرى
لأمريكا ، وأن المهمة الكبرى هي تطويق الأزمة الاقتصادية
والمالية، وخصوصا أزمة الرهن العقاري ... أما على صعيد المنطقة
فإن مكافحة الإرهاب والتصدي لتنظيم القاعدة في أفغانستان تقدمت
على الوضع العراقي في الوقت الحاضر" .(8)
الاتفاقية الأمنية العراقية-
الأمريكية_
وفي 27تشرين الثاني من عام 2008 تم إقرار الاتفاقية
الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق من قبل البرلمان العراقي
.
وتعتبر هذه الاتفاقية، المعروفة أيضا بإسم معاهدة وضع القوات
( Status of Forces Agreement )، أو اختصارا (SOFA) هي الوثيقة
الرسمية التي كانت مطلوبة لاستمرار وبقاء القوات الأمريكية في
العراق إلى ما بعد 31 كانون الأول من عام 2008 تاريخ انتهاء
تفويض الأمم المتحدة لهذه القوات . وهذه الوثيقة تتعامل تحديدا
مع الجوانب الأمنية للوجود الأمريكي . وتوجد أيضا اتفاقية
منفصلة أخرى تُعرف بالإطار الاستراتيجي تُغطي الاقتصاد،
والثقافة، والمسائل الفنية، وغيرها ... وتشكل جزءا من هذه
المعاهدة .
* ملحق بأهم البنود التي تتضمنها
الاتفاقية العراقية الأمريكية حول انسحاب القوات الأميركية من
العراق
• تنسحب جميع قوات الولايات المتحدة من جميع الأراضي العراقية
في موعد لا يتعدى 31 ديسمبر العام 2011.
• تنسحب جميع قوات الولايات المتحدة المقاتلة من المدن والقرى
والقصبات العراقية في موعد لا يتعدى تاريخ تولي قوات الأمن
العراقية مسؤوليته عن الأمن في أي محافظة عراقية، على أن يكتمل
انسحاب قوات الولايات المتحدة من الأماكن المذكورة أعلاه في
موعد لا يتعدى 30 يونيو عام 2009.
• تتمركز قوات الولايات المتحدة المقاتلة المنسحبة في المنشآت
والمساحات المتفق عليها التي تقع خارج المدن والقرى والقصبات
والتي سوف تحددها اللجنة المشتركة لتنسيق العمليات العسكرية .
• تعترف الولايات المتحدة بالحق السيادي لحكومة العراق في ان
تطلب خروج قوات الولايات المتحدة من العراق في أي وقت. وتعترف
حكومة العراق بالحق السيادي للولايات المتحدة في سحب قواتها من
العراق في أي وقت.
• يتفق الطرفان على وضع آليات وترتيبات لتقليص عدد قوات
الولايات المتحدة خلال المدد الزمنية المحددة، ويجب أن يتفقا
على المواقع التي ستستقر فيها هذه القوات. ما يتعلق بردع المخاطر الأمنية
• عند نشوء أي خطر خارجي أو داخلي ضد العراق أو وقوع عدوان ما
عليه، من شأنه انتهاك سيادته أو استقلاله السياسي أو وحدة
أراضيه أو مياهه
أو أجوائه، أو تهديد نظامه الديمقراطي أو مؤسساته المنتخبة،
يقوم الطرفان، بناء على طلب من حكومة العراق، بالشروع فورا في
مداولات إستراتيجية، وفقا لما قد يتفقان عليه فيما بينهما،
وتتخذ الولايات المتحدة الإجراءات المناسبة، والتي تشمل
الإجراءات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو أي إجراء
آخر، للتعامل مع مثل هذا التهديد.
• يوافق الطرفان على الاستمرار في تعاونهما الوثيق في تعزيز
وإدامة المؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات السياسية
والديمقراطية في العراق، بما في ذلك، وفق ما قد يتفقان عليه،
التعاون في تدريب وتجهيز وتسليح قوات الأمن العراقية، من اجل
مكافحة الإرهاب المحلي والدولي والجماعات الخارجة عن القانون،
بناء على طلب من الحكومة العراقية.
• لا يجوز استخدام أراضي ومياه وأجواء العراق ممراً أو منطلقاً
لهجمات ضد دول أخرى.
وعن تطبيق الفصل السابع من قرار مجلس الأمن الخاص بالعراق:
• من حق حكومة العراق أن لا تطلب تجديد الولاية والتفويض
الممنوحين للقوات متعددة الجنسية بمقتضى الفصل السابع المتضمن
في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1790 (2007)، وهو التفويض الذي
تنتهي صلاحيته يوم
31 ديسمبر/كانون الأول عام 2008.
• مع إنهاء العمل يوم 31 ديسمبر/ كانون الأول 2008 بالولاية
والتفويض الممنوحين للقوات متعددة الجنسية بمقتضى الفصل السابع
المتضمن في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1790 (2007)، ينبغي أن
يسترد العراق مكانته القانونية والدولية التي كان يتمتع بها
قبل تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 (1990).
• الولايات المتحدة يجب ان تساعد العراق على اتخاذ الخطوات
اللازمة لتحقيق ذلك بحلول يوم 31 ديسمبر العام 2008 .
مدة سريان مفعول الاتفاقية
• يكون هذا الاتفاق ساري المفعول لفترة ثلاث سنوات، ما لم يتم
إنهاء العمل به من قبل احد الطرفين قبل انتهاء تلك الفترة عملا
بالفقرة 3 من
هذه المادة.
• لا يعدل هذا الاتفاق إلا بموافقة الطرفين رسميا وخطيا وفق
الإجراءات الدستورية السارية في البلدين.
• ينتهي العمل بهذا الاتفاق بعد مرور سنة واحدة من استلام احد
الطرفين من الطرف الآخر اخطاراً خطياً بذلك. (9)
وفي حين اعتبرت الحكومة العراقية الاتفاقية الأمنية، ضماناً
للمصالح الوطنية العراقية، وأنها تمثل أفضل الخيارات الممكنة
للعراق على اعتبار أنها وضعت تاريخا محددا ونهائيا في الثلاثين
من حزيران 2009 لانسحاب القوات الأمريكية من المدن واكتمال
الانسحاب في 31 كانون الأول من عام 2011 . وهذا الأمر سيمكنها
في نهاية المطاف من استرجاع السيادة الوطنية . (10)
وحذرت بعض الأطياف السياسية العراقية والعربية من هذه
الاتفاقية على اعتبار أنها محاولة مستميتة لتثبيت وشرعنة
الوجود الأمريكي لمرحلة ما بعد الانسحاب النهائية في العام
2011 . ما يهدد بإبقاء العراق ميدانا لصراع دولي وإقليمي يهدد
الداخل العراقي ودول الجوار . كما أن إبعاد القوى الدولية
الأخرى كالصين وروسيا عن التدخل في شؤون منطقة الشرق الأوسط ،
سيؤدي إلى احتفاظ الولايات المتحدة بهيمنتها على السوق النفطي
والموارد الطبيعية . بإختصار ينظر هؤلاء إلى الاتفاقية على
اعتبار أنها محاولة لربط العراق بإتفاقية طويلة الأمد تضمن
المصالح الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة
في العراق والمنطقة بشكل عام .
وبصرف النظر عن الجدل الذي دار ولا يزال حول الاتفاقية الأمنية،
فإن الإنسحاب من المدن والبلدات العراقية من قبل القوات
الأمريكية، قد تم بالفعل، وهذا يعكس جدية الإدارة الأمريكية
بقيادة الرئيس أوباما في تحقيق الإنسحاب من العراق، لأن في ذلك
مصلحة قومية وإستراتيجية للولايات المتحدة ، لتحويل مجهودها
العسكري صوب أفغانستان التي تشكل بحسب أوباما مصدر التهديد
الأساسي لأمن الولايات المتحدة والعالم .
والسؤال الأهم الذي يتم تداوله الآن بعد هذا الإنسحاب بين
السياسيين والمحللين الاستراتيجيين، هو كيف سيكون الوضع في
العراق في حالة الإنسحاب الكامل للقوات الأمريكية كما هو مخطط
لها، بعد التغييرات الكبيرة التي أحدثتها سنوات الإحتلال الستة،
على الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في العراق، وما هو
شكل النظام السياسي الذي سيكون قادرا على فرض الأمن والإستقرار
في هذا البلد ؟ .
يتضح مما سبق، أنه بقدر ما كان قرار الحرب على العراق وإحتلاله
خطأً كبيراً كانت له تداعياته الكارثية على العراق والمنطقة،
فإن قرار الإنسحاب من العراق اليوم، من قبل الولايات المتحدة،
ستكون له تداعياته الكارثية أيضاً، ما لم تساهم الولايات
المتحدة بالتعاون مع الأطراف
السياسية العراقية بمختلف أطيافها، والدول العربية، في التوصل
لصيغة نظام سياسي يفرض الأمن والاستقرار في هذا البلد . وإلا
فإن الأمور ستسير نحو المجهول .
السيناريوهات المحتملة لعراق ما
بعد الانسحاب الأمريكي
لخصت كلمات الرئيس الأمريكي باراك أوباما إثر انتهاء مرحلة
إنسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية، واقع الحال لعراق
ما بعد الإنسحاب، عندما قال : " العراق تنتظره أيام صعبة " .
وفي هذا الصدد أيضا، حذر وزير الداخلية العراقي جواد البولاني
في مقال له عقب الإنسحاب، من الاعتقاد بأن المهمة قد أُنجزت في
العراق، حيث قال: " وفي الوقت الذي تنقل فيه الولايات المتحدة
بؤرة اهتمامها العسكري والأمني إلى أفغانستان، وإلى غير ذلك من
المسائل ذات الأهمية البالغة، فإنه ليس في مقدور أحد منا
الركون إلى الاعتقاد بأن العراق قد أصبح " مهمة منجزة" . فهذا
الإحساس بالأمن، هو في حقيقته إحساس زائف وغير حقيقي، لأن
تاريخ الثلاثين من يوليو، لا يمثل نقطة النهاية التي يجب
الاحتفال بها من قبل فلاسفة السياسة، وإنما هو نقطة البداية
لفصل يكتنفه قدر كبير من عدم اليقين في تاريخ الديمقراطية،
والمشاركة السياسية، والنظام الفيدرالي... في دولة العراق ."
(11)
هناك عدد من السيناريوهات التي ترتسم في ذهن العديد من
المحللين والباحثين حول ما ستؤول إليه الأمور في العراق عقب
الإنسحاب الأمريكي، محاولين في ذلك الإجابة على السؤال الأهم:
ما هي ملامح المشهد السياسي العراقي بعد جلاء الإحتلال ؟ .
السيناريو الأول : عودة
الديكتاتورية
في حال اتجهت الأمور لمزيد من عدم الاستقرار الأمني المتمثلة
بأعمال التفجيرات والعنف الطائفي، ونجحت الجماعات المسلحة في
نشر الفوضى في البلاد بهدف تقويض السلطة السياسية الناشئة في
ظل الاحتلال، وإظهار فشلها في بسط الأمن والاستقرار في العراق
، فإن هذا الوضع، قد يؤدي إلى حدوث إنقلاب عسكري ترعاه
الولايات المتحدة مع يأسها الشديد من المشهد السياسي، وهذا أمر
متوقع، نظرا إلى التجارب التاريخية التي شهدتها كثير من دول
العالم الثالث التي خرجت من الاحتلال، حيث جرت فيها إنقلابات
عسكرية. لذا فإن الانقلاب العسكري في العراق أمر وارد جداً،
نظرا لتضخم المؤسسة العسكرية والأمنية حيث يبلغ عدد أفرادها
زهاء (1.5) مليون عنصر، وربما سوف يكون الانقلاب في حال حدوثه
يكون مدعوماً من قبل بعض دول جوار العراق وفق آراء عدد من
الخبراء والباحثين الأمريكيين . (12)
وفي ذات السياق، أصدر مركز الشؤون الدولية التابع لجامعة
نيويورك تقريرا يتضمن ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العراق،
من ضمنها السيناريو السابق، حيث تمضي الدراسة إلى القول بظهور
قائد وطني من وسط الفوضى التي تسود البلاد ، يكون مستقلا عن كل
اللاعبين الإقليميين والدوليين، من الولايات المتحدة إلى إيران
إلى تنظيم القاعدة والحكومات
العربية . فحالة العنف الطائفي، والاستقرار الأمني في العراق
ستدفع بكل دول الجوار إلى جانب الولايات المتحدة إلى قبول ظهور
قائد عراقي ديكتاتوري يوحّد البلاد تحت قيادة مركزية قوية .
وتشير الدراسة التي وضعها خبراء دوليون على رأسهم البروفيسور
مايكل أوبهايمر ،إلى ان فرض الأمن في العراق سيتطلب من هذا
الديكتاتور تعليق الدستور، وبسط القانون والنظام بعد الفوضى
التي سادت العراق .
ولتسهيل ظهور مثل هذا القائد، يتعين أولا تحقيق الانسحاب
الأمريكي بشرط أن يتم تعويضه بجيش عراقي يمثل مختلف أطياف
الشعب، على أن يكون قويا إلى الحد الذي يمهد الطريق لظهور مثل
هذا القائد عن طريق انقلاب عسكري يهيئ المناخ الملائم لعلاقة
متوازنة مع الولايات المتحدة، وباقي دول المنطقة .
وتشير الدراسة إلى ضرورة أن تقاوم الولايات المتحدة رغبتها
العارمة في الاختيار المباشر للديكتاتور العراقي الجديد، لأنه
من الضروري أن يبدو هذا القائد مستقلا وبعيدا عن النفوذ
الأمريكي كي يتمتع بالمصداقية الكافية بين أفراد شعبه . (13)
السيناريو الثاني : مشروع وطني
بروز مشروع وطني عراقي عابر للعراق والطائفية، يعيد للعراق
لحمته ووحدته، لا سيما وأن بذور الوحدة الوطنية مترسخة في
المجتمع العراقي .(14)
وقد تكون القوى العلمانية والأطراف السنية هي القوة الرافعة
لهذا الطرح على إعتبار أن الأولى ترى في المشروع الوطني المخرج
الوحيد لعراق قوي ومستقل وديمقراطي، في حين ترى الثانية، ( سنة
العراق ) ، أنهم كانوا مهمشين منذ العام 2003، ويتخوفون من
استقلال الشمال في إطار دولة كردية، واستقلال الجنوب في إطار
دولة شيعية، مما يحرمهم من ثروات العراق ويحصرهم في منطقة غرب
وبعض مناطق الوسط في العراق معدومة
الثروة . لذلك فإن أي مشروع تقسيمي للعراق سيهمشهم اقتصادياً
بعدما همشهم الاحتلال سياسياً وأمنياً . من هنا يأتي دعمهم لأي
مشروع وطني ذي سلطة مركزية تضمن حقوقهم السياسية والاقتصادية
.( 15)
السيناريو الثالث : تحول طبيعة
الخلافات
ظهور تحول في شكل الخلافات ، فبدلاً من أن تأخذ طابعاً طائفياً
( سنياً – شيعياً ) تتحول إلى طابع قومي ( عربي- كردي)، لنصل
في النهاية: إما إلى دولة كونفدرالية عربية كردية، أو قبول
الأكراد بإقليم خاضع للمركز بصورة مطلقة، أو الوصول إلى تفاهم
متوازن . (16)
وفي هذا الصدد، أشار تقرير للباحث مايكل نايتس من معهد واشنطن
لشؤون الشرق الأدنى، إلى أن الانتخابات البرلمانية العراقية
المقبلة ستؤدي إلى إهتزاز كبير في المشهد السياسي، إذ يمكن ان
يصوت العراق للكتل العرقية والمذهبية نفسها التي تحكم البلاد
منذ العام 2003، كما يمكن أن يمنح السلطة لوسطية جديدة متعددة
المذاهب ومتجذرة في القومية العربية . ويبني نايتس هذا الطرح،
على ما حققته حركات الصحوة وأبناء العراق ( السّنة ) في
انتخابات مجالس المحافظات من تمثيل جيد، وما شكله ذلك إلى جانب
القوى الأخرى التي فازت بمقاعد الأغلبية، من انتصار للمشروع
الوحدوي العراقي على حساب الدعوات الفيديرالية ، ما حدا برئيس
الوزراء نوري المالكي، التفكير في استقطاب مجموعة من الحلفاء
العرب السّنة إلى إئتلاف جديد يضم جبهة الحوار الوطني بزعامة
المطلك، والحدباء، ومجلس صحوة العراق، حيث يمكنها خفض التوتر
المذهبي بين العرب وفي الوقت نفسه توسيع الانقسامات العرقية
العربية – الكردية . فالخطاب المناهض للأكراد كان عاملاً
أساسياً في الانتصار الكبير الذي حققه حزب الحدباء في محافظة
نينوى لانتخابات مجالس المحافظات في العراق . وقد يتكرر الأمر
مرة أخرى في الانتخابات التشريعية للبرلمان العراقي المتوقع
إجراؤها في مطلع العام المقبل . (17)
السيناريو الرابع : توسيع
المشاركة السياسية
" اقتناع الممسكين بالسلطة بضرورة توسيع المشاركة السياسية
وتحديث الدستور بما ينسجم وضرورات الدولة العصرية، وتغليب روح
الوطن والمواطنة في التشريعات والسلوك التنفيذي وعدم التعامل
مع الظروف الإستثنائية وكأنها مكتسبات أو غنائم، وهذا يتطلب
إيثارا تبدو النخب السياسية غير مستعدة لأن تأخذ به حتى الآن
." (18)
وهنا لا بد من الإشارة لمحاولة رئيس الحكومة الحالي نوري
المالكي لتمثل هذا الدور من خلال تشديده في الآونة الأخيرة،
وبالتحديد في انتخابات مجالس المحافظات، على استقلالية العراق،
ودعوته للتحلي بالروح الوطنية، وإعادة النظر في الدستور،
والمحافظة على الأراضي العربية في كل من كركوك والموصل وغيرهما
.
ويقول وين وايت وهو محلل سابق في وزارة الخارجية الأمريكية عن
المالكي : " فيما يرى حظوظه ترتفع، فإن بالإمكان رؤيته وهو
يحاول أن ينأى بنفسه عن الإيرانيين، كما انه يحاول أن ينأى
بنفسه أكثر عن الأمريكيين " .
ويذكر أن حزب المالكي " حزب الدعوة " كان قد هزم " المجلس
الأعلى للثورة الإسلامية " بزعامة الحكيم للمرة الأولى في
انتخابات مجالس المحافظات " المجالس المحلية " في يناير الماضي
. وعلى هذا الأساس تدفع إيران اليوم، حزب المالكي للعودة مجدداً
للإنضمام إلى تحالف مع المجلس الأعلى لخوض الانتخابات
التشريعية مطلع العام القادم . لكن من المتوقع أن يصر المالكي
هذه المرة على أن يترأس التحالف . وإلا، فإن لديه ما يكفي من
التأييد من السنة لتشكيل إئتلاف مختلط . وإذا صحت توقعات حلفاء
الحزب، فإن ذلك سيقرب العراق خطوة إضافية من المصالحة الوطنية
ويبعد البلاد أكثر عن السياسة الإيرانية . (19)
ولا تقتصر هذه الدعوة على المالكي، وإنما يشاركه بها نائب
الرئيس العراقي طارق الهاشمي الذي يدعو لمشروع مصالحة وطنية
متفق عليه من قبل مختلف الأحزاب السياسية، إضافة لإجراء عدد من
التعديلات الدستورية التي من شأنها أن تكون المحطة الأساسية
لإطلاق هذا المشروع . (20)
ويشكك البعض بمواقف المالكي على إعتبار أنها قد تكون غير جدية؛
وإنما هي محاولة لتركيز السلطة في يديه، وكسب المزيد من
الداعمين له من أبناء العراق وبالتالي رفع فرصه في كسب
الانتخابات التشريعية ومحافظته على كرسي رئاسة الحكومة .
السيناريو الخامس : استمرار
الانقسامات
" بقاء الأمر كما هو عليه من انقسامات وتقاسم للسلطة وفقا
لتقاسم الحصص على أساس طائفي وعرقي، وما يشكله ذلك من صراع على
النفوذ والسلطة والجغرافية وفقا للهويات الضيقة، وتهديد بدخول
هذا البلد في أتون صراعات لها أول وليس
لها آخر" . (21)
السيناريو السادس : انهيار
الدولة
"انهيار الدولة العراقية وانقسامها إلى دويلات وإقطاعيات
طائفية وعرقية ومناطقية وعشائرية ". (22)
وتبقى كل السيناريوهات التي ذكرت آنفاً، كما تراها الدراسة
المعنونة
" الخطوات الضرورية لانسحاب مسؤول من العراق " والتي اشرف
عليها مركز ويذرهيد للشؤون الدولية في جامعة هارفارد واشتركت
فيها عدة مراكز بحثية مهمة، " خاضعة لاعتبارت ثلاثة:
1- ما يراد من العراق وظيفيا في الإستراتيجية الأمريكية، وإلى
أي مدى ترغب الولايات المتحدة في الانغماس في الشأن العراقي
سواء في تعزيز الاستقرار
أم خلق الفوضى .
2- مدى اقتناع دول جوار العراق بالتغيير الذي حصل والتعامل معه
وقبوله،
أو محاولة صناعة التغيير أو التقليل من مفاعيله .
3- يتوقف على العراقيين أنفسهم، ومدى قدرتهم على بناء عهد
داخلي وطني يستوعب الجميع وقادر على تسوية الخلافات بما يسمح
بقيام دولة عصرية، يكون الحكم فيها للمؤسسات لا للأشخاص أو
الاعتبارات القومية أو الطائفية أو الفئوية أو الجهوية . وإن
الفشل في ذلك يعني مرور العراق بمرحلة أخرى ستشهد مزيدا من
الألم والفرقة والتشطي " .(23)
الخاتمة
كان غزو العراق في العام 2003، واحتلاله من قبل القوات
المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، كارثياً
بكل معنى الكلمة، على العراق ومحيطه العربي . فكلفة الحرب
سياسياً واجتماعياً واقتصادياً كانت باهظة، حيث يقدر عدد
الضحايا من الجانب العراقي ما بين مليون إلى مليون ونصف
المليون قتيل، عدا عن 2-4 ملايين لاجئ عراقي خارج بلادهم ،
إضافة لعدد مماثل من النازحين داخل العراق نتيجة العنف الطائفي
. ويبدو أن هذه الحملة على العراق، في حال إضافة عدد الضحايا
العراقيين منذ العام 1991، قد تجاوزت في قسوتها، حملة هولاكو
خان على بغداد في العام 1258، حيث يُقال أنه قتل ما يقارب 1.5
مليون شخص في بغداد . (24)
ولا شك أن تفكيك دولة العراق وهدم أركانها، من أجل بناء نموذج
لدولة ديمقراطية تُحتذى في منطقة الشرق الأوسط ، بحيث تكون حجر
الزاوية في محاربة الإرهاب، وفق رؤية المحافظين الجدد في إدارة
الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، والخطاب السياسي الذي تبنوه،
هو مشروع سياسي أثبتت النتائج على أرض الوقائع، بعد مضي ست
سنوات عليه، فشله الذريع .
وكلفة الفشل الباهظة هذه، بشرياً ومادياً ومعنوياً، إضافة
للأزمة المالية العالمية حدت بإدارة الرئيس أوباما، للتسريع
بوضع خطة لإنهاء الحرب في العراق وخروج آمن من المأزق العراقي
بأقل التكاليف العسكرية والاقتصادية والسياسية ، ولكن
باستراتيجية ضامنة للمصالح الأمريكية في العراق .
ويبدو أن الإدارة الأمريكية بقيادة أوباما، قد أخذت بتوصيات
الدراسة التي أعدها مركز وذر هيد للشؤون الدولية في جامعة
هارفارد، واستمدت منها مصطلح الانسحاب المسؤول . وتتلخص هذه
التوصيات: " في ضرورة انتهاج حل دبلوماسي وسياسي للصراع المدني
وتفادي التوترات الإقليمية، ودعت إلى إشراك الأطراف الإقليمية
في تعزيز الاستقرار في العراق بما فيها إيران وسوريا،
كما ان مغادرة القوات الأمريكية لا تعني، وينبغي أن لا تعني،
تخلي الولايات المتحدة عن مسؤوليتها تجاه العراق، إذ أن هناك
تدابير كثيرة يمكن للولايات المتحدة اتخاذها في سياق الانسحاب
من أجل مضاعفة فرص التقدم إلى حدودها القصوى " . (25)
وتصب تحركات الإدارة الأمريكية الحالية في منطقة الشرق الأوسط
في هذا الاتجاه . فالرئيس أوباما أعلن مرارا رغبته في الحوار
مع إيران بشأن ملفها النووي والتعاون من أجل استقرار الوضع في
العراق . كما أن وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس دعا في شهر
حزيران الماضي دول الخليج لدعم العراق من أجل مساعدته على
احتواء الطموح الأيراني . وبنفس الوقت دعاهم إلى التفكير في
السماح للعراق بالانضمام إلى منظمات إقليمية مثل مجلس التعاون
الخليجي . (26)
يمكن الاستنتاج أن إنسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من
العراق عسكرياً يمثل مصلحة وطنية واستراتيجية لها، بحكم أنها
تزيل عن كاهلها تركة جورج بوش الثقيلة عسكرياً ومادياً وسياسياً،
وتوجه جهودها لمحاربة الإرهاب في أفغانستان . إلاّ أنها بنفس
الوقت حريصة على أن تكون حاضرة سياسياً في المشهد السياسي
العراقي، بشكل يضمن لها مصالحها الإستراتيجية فيه بشكل خاص
والمنطقة بشكل عام ، وذلك من خلال المساعدة في تكوين نظام
سياسي مستقر يلقى القبول من مختلف الأطياف السياسية العراقية .
كما يحظى بقبول الأطراف الإقليمية ذات العلاقة .
وبصرف النظر، عن شكل هذا النظام السياسي، سواء كان دولة وطنية
مركزية مستقرة، أو اتحاد فيديرالي...الخ . فأن الأهم بالنسبة
للولايات المتحدة، هو أن يكون نظاماً مستقراً .
لكن للوصول إلى مثل هذا المسار لا بد من عدد من الخطوات التي
يجب على الولايات المتحدة المساهمة في إنجازها ، وهي: تحقيق
المصالحة الداخلية بين أطياف التيارات السياسية المختلفة في
العراق، والتي يتطلب تحقيقها تعديل الدستور العراقي، بحيث يقدم
شكلاً لفلسفة الدولة ولوظيفتها، وملجأً لحل الخلافات بين
الجماعات الاجتماعية والسياسية، لا أن يكون سبباً فيها، كما هو
في صيغته الحالية ، والمساهمة في توفير المناخ الملائم أمنياً
لإنجاز استحقاق مهم ينتظره العراقيون في مطلع العام القادم ،
ألا وهو الانتخابات التشريعية التي تعتبر مفصلاً مهماً في رسم
ملامح المشهد السياسي العراقي في المستقبل المنظور . إضافة
لتوزيع عادل لعوائد النفط بين مختلف مكونات الشعب العراقي،
ومحاربة الفساد الإداري والمالي . وفوق هذا وذاك، التوصل
لتفاهمات تنظم طبيعة العلاقة بين العرب والأكراد سياسياً
واقتصادياً
وجغرافياً .
أما على الصعيد الإقليمي، فيجب التوصل لصيغة ما بين الولايات
المتحدة وإيران، إن أمكن، يتم بموجبها تحديد دور إيجابي لإيران
في العراق من خلال المساهمة في استقراره أمنياً وسياسياً . أما
دول الجوار العربي، فعليها المساهمة في مساعدة العراق لتحقيق
استقراره من خلال عودة العلاقات الطبيعية بينهما .
وستكون نهاية العام 2011 موعداً لإنسحاب كامل القوات الأمريكية
من العراق، ما لم يتجه العراق نحو الفوضى، كما أنها ستكون
مرحلة جديدة في تاريخ العراق . ولكنها لن تكون كذلك على صعيد
الحضور الأمريكي سياسياً وأمنياً واقتصادياً في هذا البلد،
فهناك عدد من المدربين والخبراء والأمنيين الأمريكيين سيظلون
يقدمون خدمات التدريب والاستشارات للقوات العراقية . كما أن
الدبلوماسية الأمريكية ستكون حاضرة لتأمين مصالحها
الإستراتيجية الحيوية في العراق والمنطقة .
المصادر :
1- " النفط العراقي ... الاحتياطي والإنتاج لـ سيدي أحمد ولد
أحمد سالم
www.aljazeera.net
2- " البند السابع " بقلم أمل الشرقي ، صحيفة العرب اليوم
بتاريخ 22/6/2009.
3- " كيف سيكون العراق بعد 5 سنوات أخرى ؟ " مقالة لـ د. وحيد
عبدالمجيد في صحيفة الاتحاد بتاريخ 27/3/2008 .
4- " العراق : إلى أين ؟! " مقالة لـ د. وحيد عبدالمجيد في
صحيفة الاتحاد بتاريخ 28/7/2005.
5- " الخروج من العراق " تقرير يعطي لمحة عن كتاب ليندا
روبنسون بعنوان
" اخبرني ما السبيل لإنهاء هذه الحرب " في مجلة المجلة على
الرابط الالكتروني .
www.al-majalla.com
6- " أي مستقبل لسّنة العراق ؟ " تقرير في مجلة " المشاهد
السياسي " الأسبوعية بتاريخ 5-11/7/2009.
7- " تكلفة حرب العراق " تقرير لـ ديفيد هيرزنهورن في صحيفة
الشرق الأوسط اللندنية في عددها 20/3/2008.
8- " حوار مع المفكر الاستراتيجي العراقي د. حسين شعبان " على
الرابط الالكتروني بتاريخ 20/4/2009 .
www.ankawa.com
9- " أوباما ، ايران ، والمعاهدة الأمريكية – العراقية " ترجمة
دراسة
لـ د. عبدالوهاب حميد رشيد . صادرة عن مركز دمشق للدراسات
النظرية والحقوق المدنية ، الرابط الالكتروني بتاريخ 1/12/2008
.
www.dctcrs.org
10- " الحكومة العراقية تقر الاتفاقية الأمنية " خبر منشور في
(BBC) العربية ذي الرابط الالكتروني .
www.news.bbc.co.uk
11- " المهمة العراقية ... لم تتحقق بعد " مقالة لـ جواد
البولاني وزير الداخلية العراقي نشرت في صحيفة الاتحاد
الإماراتية بتاريخ 2/7/2009.
12- " مسار الحالة العراقية في ظل إدارة أوباما " . إعداد باسل
حسين على موقع الجزيرة نت .
13- " خطة للانسحاب الأمريكي من العراق ... وثلاث مخارج " ،
إعداد صباح جاسم على الرابط الالكتروني .
www.ammabaa.org
14- نفس المصدر رقم (12)
15- " أي مستقبل لسنة العراق " ، تقرير لمجلة المشاهد السياسي
بتاريخ 5-11/7/2009.
16- نفس المصدر رقم (12) .
17- نفس المصدر رقم (6).
18- نفس المصدر رقم (12).
19- " نوري المالكي يخرج من الظل " مقالة بقلم لاري كابلو في
مجلة نيوزويك العربية بتاريخ 16/6/2009.
20- مقابلة مع طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي في مجلة "
الوطن العربي " بتاريخ 1/7/2009.
21- نفس المصدر رقم (12) .
22- نفس المصدر رقم (12).
23- نفس المصدر رقم (12).
24- " العراق " من الموسوعة الحرة ، ذات الرابط الالكتروني .
www.wikipedia.org.
25- نفس المصدر رقم (12).
26- " الولايات المتحدة تحث دول الخليج على دعم العراق في
مواجهة ايران " خبر بثته وكالة الأنباء الفرنسية ذات الرابط .
www.afp.com