قراءة خاطئة للخارطة
الطريق إلى القدس لا يمر عبر طهران
مجلة فورين أفيرز
بقلم : ليون هادار
 

    يستعرض الكاتب في مقاله مقاربتين مختلفتين لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط .

المقاربة الأولى : تروج لها إسرائيل وبعض حلفائها في الولايات المتحدة الأمريكية ترى أن إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط هو بمنع ايران من الاستمرار في برنامجها النووي بالقوة من خلال توجيه ضربة عسكرية لها لتدمير منشآتها النووية .

المقاربة الثانية : ترى الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية أن إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط ممكن من خلال حل الدولتين الذي سيقود في نهاية المطاف إلى إضعاف ايران وحلفائها في المنطقة .

ويرى الكاتب أن المقاربة الثانية هي الطريق الأفضل لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط مما يصعب على الراديكاليين الإيرانيين من تنفيذ أجندتهم في المنطقة .

تم توجيه صانعي السياسة الأمريكية، خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس باراك أوباما ،لتنحية موضوع الصراع العربي الإسرائيلي وحل الدولتين جانباً. وتركيز جهودهم ووقتهم لمواجهة الخطر الحقيقي " المفترض" الذي يواجهه العرب واليهود معاً في منطقة الشرق الأوسط ، ألا وهو ايران.

التعامل مع هذا التهديد بشكل جدي ، سيقود لاحقاً إلى وضع مسار السلام في الأراضي المقدسة في الاتجاه الصحيح .وحدد نتنياهو هذه المسألة في خطاب ألقاه أمام لجنة العلاقات العامة الإسرائيلية– الأمريكية
( منظمة إيباك ) في واشنطن أوائل شهر أيار الماضي ، حيث قال :" هناك شيء يحدث في الشرق الأوسط ، واستطيع القول بأنه للمرة الأولى في حياتي اعتقد بأن العرب واليهود يواجهون خطراً مشتركاً "، مضيفاً ، أمام مؤيديه في منظمة إيباك ، " بأن هذا الوضع لم يحدث من قبل " .

واقنع اللاعبين الأساسيين أنفسهم في القدس وواشنطن في مرات عديدة سابقة بأنه يمكن التركيز أو الضغط على طرف ثالث يجعل السلام الإسرائيلي - الفلسطيني ممكناً ، لكن هذا التكتيك لم ينجح في الماضي ولن ينجح الآن .

فخلال الحرب العربية الإسرائيلية عام (1948) قدم الاتحاد السوفييتي آنذاك دعماً عسكرياً ودبلوماسياً للدولة اليهودية الجديدة . وروج العديد من الإسرائيليين المرددين والمؤيدين للدعاية الإعلامية السوفييتية للفكرة القائلة بأن التغلب على القوى الامبريالية في منطقة الشرق الأوسط وتدمير الفاسدين في العالم العربي ومن ضمنهم الفلسطينيين سوف يساعد على بداية عهد جديد من التعاون بين الإسرائيليين والفلسطينيين التقدميين ولكن ذلك لم يحدث .

وخلال الحرب الباردة كانت الصورة النمطية الخيالية الشائعة آنذاك لدى السياسيين الإسرائيليين في القدس ، والأمريكيين في واشنطن تضع اللوم على الدعم السوفييتي للراديكاليين العرب كطليعة قائدة للصراع العربي الإسرائيلي. وبناءً على ذلك الجدل فإن الحركة الوطنية الفلسطينية كانت ببساطة عبارة عن حركة موجهة من قبل " الراديكاليين الماركسيين " المسيطر عليها من قبل موسكو.

ورؤية هذه المواجهة الإسرائيلية العربية كصورة مصغرة للصراع الأكبر على الصعيد العالمي بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية أدت إلى أن تتعامل واشنطن مع الضم والتوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية بتجاهل ملحوظ مما أعطى إسرائيل ( الضوء الأصفر ) والاستعداد لغزو لبنان عام ( 1982 ) ، والذي قاد إلى نتائج كارثية على كلا الصراعين .

وفي عهد جورج دبليو بوش رأت الإدارة الأمريكية في غزوها للعراق بديلاً عن الإستراتيجية الدبلوماسية لتحقيق السلام الإسرائيلي - الفلسطيني . ولكن هذه الفكرة القائلة بأن الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد ، وان تحويل العراق إلى دولة ذات نظام سياسي يحاكي النموذج الأمريكي الليبرالي الديمقراطي ، والذي يروج لأجندة الحرية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط سوف يُمكّن القوى الإقليمية الداعمة للسلام مع إسرائيل ، أثبتت أنها وهم .وبدلاً من تقوية الحلف المؤيد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وإضعاف قوة الإسلام السياسي الراديكالي ، وتسريع عملية السلام ، فإن سياسات إدارة بوش ساعدت في ترجيح كفة التوازن الإقليمي لجهة ايران وحلفائها في المنطقة ، وفي تمكين القوى المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في لبنان وفلسطين ، موّلدة بذلك العنف وانعدام الثقة في الأراضي المقدسة .

الآن الرسالة الواردة من إسرائيل والداعمين لها في الولايات المتحدة الأمريكية هي أن الطريق إلى القدس يمر عبر ايران . وحجة نتنياهو في ذلك أنه طالما أن ايران هي عدو دائم للوجود الإسرائيلي ، وتدعم منظمة "حزب الله " في جنوب لبنان و " حركة حماس " في غزة ، فإن السبيل الوحيد لجعل السلام الفلسطيني - الإسرائيلي ممكناً هو بمنعها من امتلاك القدرة على إنتاج الطاقة النووية (وردها على أعقابها ) .

وبما أن الدول العربية الرائدة مثل مصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية قلقة من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة ، ولا يزال الجدل مستمراً حول هذه المسألة ، تبرز أهمية دور وقدرة واشنطن في تقريب الآراء ووجهات النظر على الصعيد الإقليمي في احتواء ايران ، ولربما أيضاً إقناع شركائها في المنطقة ليصبحوا أكثر استعداداً لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي .

ووفقاً لنائب مستشار الأمن القومي في إدارة بوش " اليوت ابرامز الذي كتب أخيراً في صحيفة "وول ستريت جورنال"،حيث
قال :" إن هناك صراعاً حاسماً يجري الآن في الشرق الأوسط ، ولكنه ليس بين الإسرائيليين والفلسطينيين وإنما بين حلفائنا في المنطقة مثل مصر والمملكة العربية السعودية، والسلطة الفلسطينية، وإسرائيل ، والإمارات العربية المتحدة ضد ايران ، وقطر ، وسوريا ، وحزب الله ، والجماعات المعارضة الفلسطينية .فسيخبر نتنياهو الرئيس أوباما بوجهة النظر هذه ولكن لا أحد يعلم فيما إذا كان أوباما سيأخذ على محمل الجد هذا الأمر،أم أنه سيتريث حتى يتشاور مع القادة العرب حول هذه المسألة ويسمع منهم تأكيداً على ذلك " .

وتبدي بعض الحكومات العربية السنية قلقها من تصاعد التأثير الإيراني وشركاء إيران الشيعة في المنطقة، كما أنها قلقة من آفاق الانفراج الدبلوماسي بين واشنطن وطهران الذي قد يؤدي إلى إضعاف نفوذهم الحالي على السياسة الأمريكية.

ولكن الحقيقة القائلة بأن الحكومات العربية السنية تتشارك في نفس المخاوف الإستراتيجية الأمريكية أو الإسرائيلية لن تخلق أساساً لتحالفات إستراتيجية طويلة الأمد بين الطرفين .وفي الشرق الأوسط كأي مكان آخر في العالم لا يعني أن وجود خطر مشترك بين الإسرائيليين والعرب في المنطقة سيقود إلى الاتفاق بينهم .

وأي فكرة قائلة أن عمان ، والقاهرة ، والرياض يمكن أن تصل إلى الحد الذي توافق فيه أو لربما ترحب بضربة أمريكية أو إسرائيلية ضد المنشآت العسكرية النووية الإيرانية هي مجرد تمنيات ، لأن القادة السنة العرب قلقون حول احتمالية رد فعل عنيف من قبل جماهيرهم الغاضبة ضد أنظمتهم بعد أي اعتداء من هذا القبيل ، ويدركون أيضاً بأن ايران ستكون في وضع جيد لإطلاق يد وكلائهم في المنطقة بعمليات ضد إسرائيل والولايات المتحدة على عكس ما هو متوقع .

لذلك فإن مصر، والأردن، والسعودية تراهن على كلا الخيارين ، ففي حال تعرضت ايران لعمل عسكري ضدها فإن إسرائيل ستتعرض إلى رد إيراني عسكري انتقامي من شأنه أن يجبر الولايات المتحدة على تدخل عسكري مباشر ومكلف للجانب الإسرائيلي وإدخال المنطقة إلى حالة من الفوضى ، وفي نهاية المطاف ستكتشف واشنطن بأن البديل الرئيس لغزو إيران وإسقاط نظامها هو الانخراط بحوار دبلوماسي مع طهران وهو الخيار المتوفر أمامها اليوم بدلاً من أي خيار آخر قد يقود المنطقة إلى الفوضى .

بيد أن إدارة أوباما تتفهم هذا الأمر وترحب بتعاون طهران في تحقيق الاستقرار في أفغانستان ، والعراق ، ولبنان مع استمرار المحادثات مع ايران بشأن برنامجها النووي مع مجموعة الـ ( 5+ 1) . ويعتبر هذا السيناريو الأفضل لإبطاء السعي الإيراني لصنع القنبلة النووية بدلاً من الوقف الكامل لبرنامجها النووي . لذا فإن على إسرائيل والولايات المتحدة الاستعداد للتحضير في نهاية المطاف لتطوير إستراتيجية ردع نووية فعالة ضد طهران والعمل مع حلفائها في أوروبا بالشرق لاحتواء التحدي الإيراني .

ويجب على الرئيس أوباما أن يدرك جيداً بأن التهديد الرئيسي
لوجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية ليس ايران ، بل هو الصراع مع الفلسطينيين ، والذي يشكل استمراره محفزاً لنمو الحركات الراديكالية المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة بشكل كبير إلى أن يتم التوصل لحل هذا الصراع .

ويتطلب حل الصراع بدوره التعامل بشكل مباشر مع المشاكل الجوهرية من قبل الأطراف المحلية الفاعلة ذات الصلة بهذا الصراع ، والمتمثلة في احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة ،والمستوطنات ،واللاجئين، والعنف ، والقدس .

لا تستطيع واشنطن بمفردها التوصل لصفقة لحل الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين ، ولكنها تستطيع بل ويجب عليها أن تساعد كلا الطرفين وتحثهم على عمل ذلك بأنفسهم . كما ويجب عليها ألا تدع الأمور تتجه نحو الأسوأ من خلال السماح لنفسها بتشتيت جهودها عن المهمة الأساسية التي تستطيع القيام بها . فأي نجاح تحققه جهود الولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيجعل مهمة الراديكاليين الإيرانيين في كسب الدعم عبر المنطقة صعباً .

لذا فإن المقاربة القائلة بأن الطريق إلى طهران تمر عبر القدس
هي أكثر ترجيحاً من المقاربة القائلة بأن الطريق إلى القدس يمر
عبر طهران .

 
 

 ترجمة : ســـــــــــــلفيــا الصنـــــــــاع

  حزيران  2009