أوباما – نتنياهو – مستقبل العلاقات
الأمريكية – الإسرائيلية
مركز الدراسات الدولية الإستراتيجية (CSIS)
المؤلف : انتوني كوردسمان
 

    تستنتج هذه الدراسة التي ارتأينا ترجمتها أن العلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ستكون على المحك إذا لم تتفق الدولتان بشكل كامل على معالجة ملفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والإيراني بطريقة لا تؤدي إلى الإضرار بالمصالح الإستراتيجية لكليهما .
فالولايات المتحدة لها مصالحها الحيوية في منطقة الشرق الأوسط
ولا تريد الإضرار بها . ومن جهة أخرى فإن إسرائيل مسكونة بهواجس أمنية تقول أنها لا تستطيع أن تتخلى عنها . وتكمن أهمية الدراسة بأنها تدعو صراحة إلى الفصل بين المصالح الإستراتيجية الأمريكية والمصالح الإسرائيلية مع الإبقاء على علاقات التحالف الوثيقة .


وفيما يلي الترجمة الكاملة للدراسة :


أثار لقاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بعضاً من اخطر القضايا في العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية ، إذ انه من السابق لأوانه الحكم على كيفية تعامل حكومة نتنياهو على صعيد ملفي الصراع العربي الإسرائيلي والإيراني ، حيث يمكن لهذين الملفين ( العربي والإيراني ) أن يشكلا مصدراً للتوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل إذا لم يتباحثا بعمق حولهما .
نعلم أن الولايات المتحدة وإسرائيل حليفان وهذا لا يعني بالضرورة أن لكليهما مصالح إستراتيجية متطابقة .
علينا أن نكون حذرين بافتراض أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو
لا يمكن إقناعه بقبول سلام ذي معنى والافتراض أيضاً أن سلاماً له معنى ممكن تحقيقه في ضوء الانقسام الفلسطيني والتحديات الرئيسة التي تواجه حق إسرائيل في الوجود .
وهذا لا يعني أن الرئيس أوباما لم يكن على حق بوعده المضي قدماً من اجل تحقيق السلام وبالتركيز على حل الدولتين وان يكون للولايات المتحدة دور ريادي في البحث عن تسوية نهائية للقضايا الحساسة ومواجهة التهديدات الارهابية والغضب العربي المتنامي تجاه الولايات المتحدة .
إن تأكيد الولايات المتحدة التزامها بأمن إسرائيل لا يعني أن الرئيس أوباما لا يمكنه مواجهة رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يحاول العودة عن طريق السلام ، وهذا يعني أن الولايات المتحدة غير مستعدة للتضحية بمصالحها في الشرق الأوسط لحساب إسرائيل .
رئيس الوزراء الإسرائيلي سيقبل الزخم الذي أعطته الولايات المتحدة للمفاوضات بتعيينها جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً وبالتالي فان إسرائيل لا تستطيع أن تحيد عن حل الدولتين . إن إسرائيل سوف تدرك انه لا يوجد لدى الإدارة الأمريكية سبباً للتسامح مع وزير خارجية متطرف وغريب الأطوار مثل ليبرمان على هامش الحياة السياسية في إسرائيل .
إن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى الولايات المتحدة لا ينبغي لها أن تكون ذات صيغة احتفالية بل يجب أن تكون بمثابة الإعلان عن بحث شامل وصريح وبيان رئاسي يتضمن السعي الحثيث لتحقيق حل الدولتين حتى لو أدى ذلك لظهور عدم توافق خلال زيارة نتنياهو .
وفي السياق ذاته يجب على الولايات المتحدة الضغط على نتنياهو حول قضية المستوطنات وحقوق واحتياجات الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وفي قطاع غزة كذلك .
لفترة طويلة جداً كنا نأمل أن يتم تطبيق اتفاقيات أوسلو القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام لكننا انزلقنا إلى حقيقة أن الارهاب مقابل المستوطنات .
إن الفشل في عملية السلام سيكون فشلاً للولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية ، الأمر الذي سيترك جرحاً عميقاً .
إن الفشل في استثمار جهود الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون بسبب خطأ حركة فتح وأيضاً فسادها وفشلها في إرساء أمن حقيقي وإيجاد قوات أمن فعالة مهّد الطريق لظهور حركة حماس ومن ثم ضياع قطاع غزة .
إن العنف الذي مارسته حركة حماس واعتراضاتها يعتبر السبب الرئيس وراء انقسام الفلسطينيين وتلاشي الأمل بالسلام لدى المعتدلين الإسرائيليين .
يجب على الولايات المتحدة أن تدفع قدماً بالإصلاحات الفلسطينية من أجل ايجاد حكومة فلسطينية نزيهة وفعالة وبناء قوة أمنية فلسطينية فاعلة وكفوءة .
وعموماً فإن على الرئيس أوباما أن يؤكد في كل مناسبة انه على الدول العربية ، إسرائيل والفلسطينيين التمعن في حقيقة وواقعية السلام . والحقيقة أن كلا الجانبين ( الفلسطينيون والإسرائيليون ) لم يتوصلا بعد إلى الحل وما زالا مختلفين حول كيفية جعل السلام ممكناً ويجب عليهم أن يجدوا سبيلاً للمضي قدماً لتجاوز هذه الخلافات .
إن الديموغرافيا من شأنها جعل أي حق فلسطيني بالعودة مستحيلاً وانه لا يمكن لأي سلام أن يكون مستقراً وآمناً بدون خطة دعم جذرية لإيجاد اقتصاد قوي في الضفة الغربية وقطاع غزة ، فكلا الجانبين ، الفلسطينيون وإسرائيل يواجهان استحقاقات مؤلمة بالتعامل مع المستوطنات والتغييرات على طول خط الهدنة عام (1967) ، إسرائيل تحتاج ضمان لسنوات طويلة فيما يتعلق بأي تغييرات عسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة .
إن منح الفلسطينيين أي شكل من أشكال السيادة في القدس بحيث تكون عاصمة لدولتهم ، ومنح إسرائيل أكثر مما حصلت عليه منذ عام (1967) سيكون من اكبر التحديات التي تواجه عملية السلام بالإضافة إلى قضايا المياه والحقوق المنقولة والمنافذ البحرية .
يجب على الرئيس أوباما أن يكون ثابتاً وجاداً وان يتخذ موقفاً صريحاً مع القادة العرب والفلسطينيين وكذلك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، وعليه أن يظهر دعماً لخطط السلام ولمسار جورج ميتشل حتى وإن كان الثمن ضغوطاً وعقبات قد تبرز في الداخل الأمريكي .


التحدي الإيراني


لقد أبدت إدارتا الرئيسين الأمريكيين السابق جورج بوش والحالي باراك أوباما معارضتهما لتوجيه إسرائيل ضربة عسكرية لإيران وكذلك الحال بالنسبة للدبلوماسيين والمسؤولين الأمريكيين الذين أعلنوا موقفهم المعارض لقيام إسرائيل بهذه الضربة التي من شأنها أن تلحق الضرر بالمصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي .

إن للولايات المتحدة أسبابها المقنعة لمعارضة توجيه ضربة عسكرية لإيران ، السبب الأول ان مزيجاً من الدبلوماسية والحوافز والمثبطات ما تزال تعمل والثاني ان أماكن أجهزة الطرد المركزي لم يتم تحديدها بشكل دقيق فهي في مواقع متفرقة وان أي هجوم منفرد على ايران من شأنه أن يعطي ايران الفرصة لتضاعف جهودها من اجل إنتاج المزيد من الأسلحة النووية خلال فترة وجيزة .

إن توجيه ضربة عسكرية لإيران يفترض ان تلحق أضراراً جسيمة بالمرافق النووية الحساسة الثلاث في ايران وهذا يعني ان معظم العمليات الجوية الإسرائيلية ستمر عبر الأراضي العربية مما يجعلها امراً غير مسبوق بالنسبة لإسرائيل . وفي حال توجيه هذه الضربة فإن ايران ستلجأ الى طرق عديدة للانتقام اما من خلال حركة حماس وحزب الله أو إلحاق الأذى بالقوات الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق وكذلك التهديدات التناظرية ( حرب العصابات في منطقة الخليج ) .

إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع ان تتنصل من مسؤولياتها تجاه إسرائيل إذ أن غالبية العرب والإيرانيين سينظرون للولايات المتحدة على أنها منحت إسرائيل ضوءاً أخضر بشكل سري لضرب ايران وبهذا فالولايات المتحدة ستكون هدفاً بالوكالة للغضب العربي والإيراني من اجل إسرائيل دون أن تجني أية مكاسب إستراتيجية ولربما يؤدي هذا إلى دفع الولايات المتحدة لإخراج قواتها من منطقة الخليج والعراق ومناطق أخرى .

الرئيس أوباما يحتاج لإعطاء المزيد من التأكيدات لإسرائيل وكذلك حلفاء الولايات المتحدة العرب الرئيسيين في المنطقة انه اذا فشلت الدبلوماسية ستعمل الولايات المتحدة على تزويد حلفائها هؤلاء بكل مساعدة ممكنة ولن تتردد في تطوير القوة النووية الإسرائيلية وقدرتها الانتقامية وكذلك تقديم العون والمساعدة لحلفائها لإيجاد قوة دفاعية جوية فعالة .

يجب على الرئيس أوباما أن يتخذ موقفاً واضحاً بالنسبة لإيران بأنه ليس بوسعها امتلاك أي أسلحة نووية وان أي خطوة ستتخذها ايران لتهديد إسرائيل أو أي من جيرانها من شأنه أن يزيد التهديدات لإيران وان أي ضربة نووية تقوم بها ايران ستواجه بعمل انتقامي من أي نوع .

الدبلوماسية والحوار والعلاقات الحسنة ما زالت ضمن الخيارات للتعامل مع ايران .

مع أن الولايات المتحدة لم تتخل عن خيارها العسكري تجاه ايران ولكن يجب ان تضع في حساباتها الكثير مقارنة بإسرائيل ، طالما استمرت ايران بمحاولاتها تطوير برامجها النووية ولعب دور إقليمي وزيادة التوتر في الوقت الذي تتورط فيه الولايات المتحدة بحربين في العراق وأفغانستان والذي يشكل تهديداً حقيقياً لها .
لم تتضح بعد فيما بعد إذا كانت الدبلوماسية قد فشلت أو أن الولايات المتحدة لن تستبعد البحث عن سياسة احتواء ايران وتطوير منظومة دفاعية جوية وتوسيع قوة الردع وذلك عن طريق توفير مظلة دفاعية نووية تغطي أوروبا . وكما نعلم فإن الإجراءات الاستباقية والوقائية ليست هي الحلول لكل مشكلة .

إن الرئيس أوباما مطالب بالإعلان صراحة أن الولايات المتحدة تحتاج لكثير من الوقت وحرية الحركة في هذه المنطقة . وانه ينبغي على إسرائيل أن تدرك مسألة الإضرار بالعلاقات الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية ويمكن للرئيس أوباما أن يعلن ذلك ببيان صادر عن مسؤولي الدفاع والمخابرات في إدارته .
 

  ترجمة : عثمان خميس

 7 حزيران  2009